العدد الثاني: معضلة الأخلاق والقانون
موعدكم مع النشرة الأسبوعية كل يوم ثلاثاء
جندي متمركز في منطقة نائية يتلقى أوامر عسكرية واضحة من قيادته بقصف مبنى يشتبه في كونه مخبأً لخلية إرهابية، وهو مطالب بتنفيذ القصف فورًا قبل أن تنتقل تلك الخلية إلى موقع آخر. لكن الجندي يحصل من مصدر موثوق داخل المنطقة على معلومات تفيد بأن المبنى المستهدف يؤوي أيضًا عشرة مدنيين أبرياء، بينهم أطفال. قانونيًا، الجندي ملزم بطاعة الأوامر العسكرية المباشرة، وعصيانها قد يعرضه للمحكمة العسكرية بتهمة التمرد. لكن أخلاقيًا، تنفيذ القصف سيؤدي إلى مقتل مدنيين أبرياء، وهو ما يتعارض مع المبادئ الإنسانية.
نشأة القانون ونشأة الأخلاق
القانون صناعة بشرية خالصة، وليد لحظة تاريخية محددة، يعبر عن إرادة سياسية قائمة، قد يولد في صباح ويموت في مساء بقرار من سلطة عليا لا تقبل الجدل. يضعه المشرع الذي يفصل بين الصحيح والخطأ بمقاييس الزمن والمصلحة، يصوغه البرلمان في نصوص باردة، تنقحه المحاكم، وتنفذه السلطة. ليس فيه من الروح شيء، وليس وراء حروفه ما يلامس القلوب. أما الأخلاق، فتشبه نهراً لا يُعرف له منبع محدد، ولا يُرى له مصب نهائي. نتاج تراكمي للأجيال، تنبثق من تفاعل البشر بعضهم مع بعض، من تجاربهم الجماعية، من آلامهم وأفراحهم، من بكاء طفل في ليلة باردة، ومن دمعة شيخ يودع عمراً. تنتقل عبر الحكايات التي تُروى عند مهود الأطفال، والعبر التي تتوارثها الاجيال. إنها، باختصار، بوصلتنا الداخلية التي لا تكلفنا غير أن ننصت إليها بصدق، وضميرنا الجمعي الذي لا يحتاج إلى شرطي ليراقبه ولا إلى سجن ليعاقب من يخونه.
غير أن الفارق الأعمق يكمن في الجوهر كله. فالقانون خارجي، مفروض من فوق، يأتي إلينا من أبواب السلطة ولا يستأذن قلوبنا قبل أن يدخل بيوتنا. يريد منا أن نطيعه خائفين، لا أن نؤمن به طائعين. فهو لا يكترث بالنوايا، ولا يسأل عن الدوافع، ولا يبحث في أعماق النفوس. يريد أن يعرف: هل قتلت أم لم تقتل؟ هل سرقت أم لم تسرق؟ هل تجاوزت الخط الأحمر أم بقيت خلفه؟ فإن قتلت، ولو انتقاما لنفسك أولطفلك، فأنت قاتل في نظر القانون، بغض النظر عن ندمك أو عن ظروفك أو عن بكاء عينيك أمام القاضي. أما الأخلاق، فداخلية خالصة. هي لا تريد أن تعرف فقط ماذا فعلت، بل لماذا فعلت، وبأي قلب فعلت، وأي نية حملت حين فعلت. ترى ما وراء الفعل، وتغوص إلى ما تحت الأيدي والقبضات.
القانون لا يتدخل إلا في الشؤون الكبرى، في الأفعال التي تهدد المصلحة العامة أو تنتهك الحقوق الجوهرية للناس. لا يعنيه إن كذبت على مديرك في تفصيل صغير، ولا إن تغاضيت عن رد السلام، ولا إن خنت صديقاً في غيابه. هذه كلها تترك للأخلاق وحدها، لا للقضاء ولا للشرطة ولا للسجون. أما الأخلاق، فهي معنا في كل لحظة، في صغير الأمور وكبيرها، في خفايا النهار وأعماق الليل. تسألنا باستمرار: هل نحن صادقون؟ هل نحن عادلون؟ هل نحن رحماء؟ وهي وحدها من يستطيع أن يجيب على تلك الأسئلة، لا محكمة في العالم. وفي تلك المساحة وحدها، نكتشف من نحن حقاً.
القانون الطبيعي والقانون الوضعي
الطبيعيون، وعلى رأسهم توما الأكويني في القرون الوسطى، يؤمنون بأن ثمة قوانين أزلية سابقة على أي تشريع بشري، بل سابقة على وجود البشر أنفسهم. قوانين منقوشة في فطرة الكون، أو في إرادة الخالق، أو في طبيعة الأشياء الثابتة. ومهمة الإنسان هي اكتشافهافقط. فحين أقول إن قتل الأبرياء خطأ، وإن التعذيب شر مطلق، وإن كرامة الإنسان ليست هبة من دولة ولا من سلطة، فأنا ألمس حقيقة موضوعية، كثقل الجاذبية أو سرعة الضوء تقريبًا. بناء على ذلك، فإن القانون الوضعي أي تلك التشريعات التي تضعها الدول وتسنها البرلمانات لا يكون شرعيًا ولا يستحق أن يُسمى قانونًا إلا إذا انسجم مع تلك القوانين الطبيعية العليا. وإن خالفها، فهو ليس قانونًا حقيقيًا.
الوضعيون، وأبرزهم جون أوستن في القرن التاسع عشر وإتش إل إيه هارت في القرن العشرين، يؤمنون بأن القوانين هي ما تضعه السلطة الحاكمة، بغض النظر عن محتواها الأخلاقي، وبغض النظر عن مدى جمالها أو قبحها. الفصل الحاد بين ما هو قانوني وما هو أخلاقي هو جوهر التفكير القانوني الرشيد، . لأن السؤال “هل هذا القانون عادل؟” يختلف تمامًا بل ويتناقض مع السؤال “هل هذا القانون سارٍ ونافذ؟”. الأول سؤال أخلاقي تختلف الإجابة عليه من زمن إلى زمن ومن ثقافة إلى أخرى، والثاني سؤال واقعي له جواب واحد، إما أن القانون صدر بالطريقة الصحيحة من الجهة المخولة، أو لم يصدر. وإذا انتظرنا حتى تصبح القوانين عادلة من منظور أخلاقي معين لنعتبرها قوانين حقيقية، فسننتهي إلى الفوضى العارمة، حيث يطبق كل قاضي ميزانه الأخلاقي الخاص، ويقرر كل مواطن بنفسه أي القوانين يستحق الطاعة وأيها يستحق العصيان.
لا يظهر عمق هذا الخلاف بين الطبيعيين والوضعيين كما يظهر في لحظات التحول التاريخي العنيف، تلك اللحظات التي تنهار فيها الأنظمة وتتغير فيها القواعد بين عشية وضحاها، وتجد البشرية نفسها أمام أسئلة لم تكن تتوقع أن تواجهها. خذوا معي، على سبيل المثال، قضية المرأة الألمانية التي بلغت عن زوجها لدى السلطات النازية بتهمة أنه أهان أدولف هتلر في جلسة عائلية. وتم إعدام الزوج رمياً بالرصاص.
حين انهار النظام النازي وسقطت برلين، مثلت تلك المرأة أمام محاكم ألمانيا الغربية بتهمة “الحرمان غير المشروع من الحرية” التي أدت إلى موت إنسان. لكنها احتجت بانها لم ترتكب أي جريمة. هي فقط أمتثلت للقانون المعمول به في ذلك الوقت. القانون النازي كان يجرم انتقاد الزعيم، وكان يعاقب على ذلك بالإعدام. وهي فقط بلغت السلطات بمخالفة قانونية، وهم طبقوا القانون. فكيف تعتبر جريمة؟.
هنا، كيف يمكن لمحكمة في ألمانيا الجديدة أن تحاكم شخصاً تصرف وفقاً للقانون الساري في حينه؟ أليس من البديهي في كل الأنظمة القانونية المحترمة أن القوانين لا تسقط بأثر رجعي؟ أليس من الظلم بعينه أن نعاقب اليوم على فعل كان مباحاً بل ومطلوباً بالأمس؟ ثم أليست هذه السمة ذاتها هي التي ميزت الأنظمة الشمولية، أنها تغير القواعد في منتصف اللعبة، وتطبق قوانين جديدة على ماضٍ لم يكن يخضع لها؟ أليس نحن إذن، عندما نحاكم المرأة اليوم، نفعل بالضبط ما كنا نتهم النازيين بفعله؟ هذا هو العمق الذي يصل إليه الجدل، وهنا تتباين الإجابات.
فيلسوف القانوني الطبيعي لون فولر دافع عن حكم الإدانة، لكن ليس بالطريقة الساذجة التي قد يتوقعها البعض. لم يقل فولر ببساطة إن القانون النازي كان غير أخلاقي ولذا فهو باطل من البداية، لأن هذا الكلام، برأيه، يختزل المشكلة اختزالاً مفرطاً. بل قدم تحليلاً أعمق وأكثر دقة:
القانون، لكي يكون قانوناً بالمعنى الحقيقي للكلمة، وليس مجرد أداة للقمع باسم القانون، يجب أن تتوفر فيه ثمانية شروط إجرائية داخلية. وهي:
العمومية : يجب أن تنطبق القوانين على جميع الحالات التي تنطبق عليها أوصافها، فلا تمييز على أساس الشخص أو الجماعة، ولا تخصيص لقريب أو صديق.
الإعلان : يجب أن تكون القوانين متاحة ومنشورة علناً، فلا وجود لقوانين سرية يعاقب عليها المواطن دون أن يعرف بها.
عدم الرجعية: يجب أن تكون القوانين سارية للمستقبل وليس للماضي، فلا يعاقب إنسان على فعل كان مباحاً حين ارتكابه.
الوضوح : يجب أن تكون القوانين مفهومة لمن يخاطبون بها، فلا نصوص غامضة أو مبهمة تفتح الباب للتأويلات العشوائية.
عدم التناقض : فلا يصدر قانون يناقض آخر، وإلا صار المواطن حائراً بين طاعتهما معاً.
إمكانية الامتثال : فلا يكلف القانون أحداً بما لا يطيق، لأن القانون الذي يطلب المستحيل ليس قانوناً بل فخاً.
الثبات عبر الزمن : فلا تتغير القوانين تغيراً مفاجئاً متكرراً بحيث لا يستطيع المواطن التكيف معها.
التطابق : وهو أن يكون ما يفعله المسؤولون والقضاة مطابقاً لما ينص عليه القانون، فلا يعلن القانون شيئاً وتفعله السلطة شيئاً آخر.
النظام النازي، بحسب فولر، انتهك هذه المبادئ الإجرائية كون كثير من الأوامر القاتلة كانت شفوية وغير معلنة، وكان الحكام النازيون يتدخلون باستمرار لتعطيل القوانين المكتوبة كلما تعارضت مع رغباتهم، وكان الإحساس السليم للشعب يُستخدم كأساس لإصدار أحكام تعسفية لا علاقة لها بالنصوص المكتوبة، وكانت القوانين تتغير يومياً بناءً على نزوة هتلر أو أحد مرؤوسيه. الأمر إذن، بالنسبة لفولر، ليم تعد مجرد مسألة قانون غير أخلاقي أو قانون ظالم فقط، اصبحت مسألة شبه قانون أو غير قانوني بالكامل، لأنه لا يستوفي حتى المعايير الشكلية الدنيا لأي نظام قانوني.
أما هربرت هارت، الوضعي، فوافق على ضرورة معاقبة المرأة، ولكن لأسباب مختلفة تماماً. لنعترف بالحقيقة كما هي، حتى لو كانت مرة. القانون النازي، بنظر هارت، كان قانوناً سارياً ونافذاً وقت ارتكاب الفعل. نعم، كان بشعاً، نعم كان فظيعاً، نعم كان وحشياً، لكنه مع ذلك كان قانوناً. لأنه صدر بالطريقة الصحيحة، من الجهة المخولة، وتم تطبيقه فعلاً على ملايين البشر. لكن حين نواجه نظاماً بهذا القبح الأخلاقي المطلق، قد نضطر نحن المنتصرين أو القضاة الجدد إلى خرق المبدأ الأساسي في أي نظام قانوني محترم، وهو مبدأ عدم الرجعية، وإصدار قانون جديد بأثر رجعي يعاقب كل من تعاون مع النظام النازي بطرق جنائية. هذا الخيار، بحسب هارت، مؤلم جداً، وهو يضعنا بين نارين لا ثالث لهما، إما أن نترك المجرمين النازيين ومساعديهم يفلتون من العقاب تماماً، باسم احترامنا لحرمة القوانين السابقة ومبدأ عدم الرجعية، وإما أن ننتهك ذلك المبدأ الأساسي من مبادئ العدالة، وهو مبدأ لا يمكن التخلي عنه بسهولة، ونعاقب الناس على أفعال لم تكن مجرمة في زمن ارتكابها.
الوضعية القانونية، بحسب هارت، تصرح ان هذه هي المفارقة المأساوية للعدالة في زمن التحول، وهذا هو الثمن الذي يجب دفعه في سبيل التطهير من الشر. فالقول بأن القانون النازي لم يكن قانوناً من الأساس، والذي يبدو مريحاً للضمير، يتجاهل حقيقة أن ملايين البشر عاشوا تحت سلطانه فعلاً، وأطاعوه خوفاً أو طمعاً أو قناعة، ودُمرت حياتهم بسبب الانصياع له أو بسبب مقاومته. نعم، إنه شر، لكن إنكار واقعيته وتزييف التاريخ لا يخدم الحقيقة، بل قد يعيدنا إلى نفس الممارسات التي ننتقدها.
ماذا يعني كل هذا الحديث عن النازية وفولر وهارت لجندينا الذي يقف متردداً أمام أمر القصف؟ يعني أن جندينا، حين يقرر طاعة الأمر أو عصيانه، ليس حراً تماماً كما قد يظن. فخلفه قرون من الجدل الفلسفي، وخلفه تجارب تاريخية كاملة لأمم انهارت لأن جنودها أطاعوا أوامر قاتلة، وأمم أخرى انهارت لأن جنودها تمردوا على أوامر كانت صحيحة. جندينا ليس وحده في حيرته، هو وريث لمعضلة عمرها ما دامت البشرية تعرف القانون.
فلاسفة القانون في اختبار النازية
اثنين من أبرز فلاسفة القانون في القرن العشرين، وكلاهما عانى الأمرين تحت الحكم النازي، وكلاهما اضطر للفرار من وطنه وترك كل ما يملك، انتهى بهما المطاف إلى موقفين متعارضين تماماً، متناقضين أشد التناقض.
غوستاف رادبروخ، الذي كان وزيراً للعدل في ألمانيا قبل وصول هتلر إلى السلطة، تخلى عن وضعه القانوني بالكامل بعد تجربة النازية. قد أدرك، كما كتب في مقالاته المتأخرة، أن الوضعية القانونية الألمانية، بتأكيدها المتكرر على مبدأ “القانون هو القانون” والفصل بين القانون والأخلاق، قد أرخت شرعانها للوحشية النازية دون أن ترف رمشاً. فالحجج القانونية التي قدمها النازيون لتبرير أفعالهم، والتي استمع إليها القضاة الألمان، كانت تبدو مقنعة تماماً لمن لا يملك بوصلة أخلاقية مستقلة أو لمن اختار أن يتخلى عنها. ومن هنا صاغ رادبروخ “صيغته” الشهيرة التي قلبت نظرية القانون في ألمانيا بعد الحرب: إن القوانين الإيجابية، حتى لو توفر فيها كل ما يلزم من إجراءات وشكليات ونصوص واضحة، تسقط شرعيتها تماماً وتتحول إلى مجرد أوامر غير قانونية إذا بلغت درجة من الظلم لا تحتمل، أو إذا لم تحاول أساساً تحقيق العدالة. القانون، أي قانون، إن أغلق عينيه عن المساواة الجوهرية بين البشر، وفَرَّق بينهم على أساس العرق أو الدين أو اللون، فقد كل أحقية في أن يُدعى قانوناً، بل يجب على القضاة والمحامين والمواطنين أن يقاوموه بكل وسيلة.
أما هانز كيلسن، الفيلسوف النمساوي العظيم، مبتكر “النظرية الخالصة للقانون” التي تعتبر قمة ما وصلت إليه الوضعية القانونية في القرن العشرين، فبقي متمسكاً بوضعيته الباردة حتى الرمق الأخير من حياته، رغم كل ما عانى. طُرد كيلسن من منصبه الجامعي في كولونيا عام 1933 لمجرد أنه يهودي، هاجر أولاً إلى جنيف ثم إلى براغ ثم إلى أمريكا هرباً من الموت، وفقد وطنه وأصدقاءه ومكتبته، لكنه لم يتخل لحظة واحدة عن فكرة أن القانون يجب أن يُدرس كواقع موضوعي، منفصل تماماً عن الأخلاق وعلم الاجتماع والسياسة والأديان. قانون هتلر، بالنسبة لكيلسن، كان قانوناً سارياً ونافذاً، لأنه صدر بالطريقة الصحيحة من المصدر الصحيح، وبالتالي فهو قانوني بالمعنى الشكلي الدقيق، مهما بلغ من قبح. هذا لا يعني، كما كان يكرر كيلسن دوماً، أنه وافق على النازية أو دعا إلى طاعتها أو رضي بما فعلته. بل كان يرى أن انتقاد الأنظمة الظالمة يجب أن يكون من موقع أخلاقي أو سياسي خارجي واضح، لا من خلال تزييف الواقع القانوني والقول بأن ما حدث لم يكن قانوناً بينما كان كذلك بالفعل.
لكن حين جاءت محاكمات نورمبرغ وهي سلسلة من المحاكمات العسكرية التي جرت بين عامي 1945 و1949 لمحاكمة قادة النازية على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وجد كيلسن نفسه في موقف محرج للغاية. لقد ساهم بشكل فعلي في صياغة الأسس القانونية لهذه المحاكمات، وقدم حججاً أخلاقية قوية لإدانة القادة النازيين، متجاوزاً بذلك مبادئه الوضعية الصارمة. حتى أكثر الوضعيين التصاقاً بمبادئه، وأكثرهم تشبثاً بفصل القانون عن الأخلاق، وجد نفسه مضطراً إلى تجاوزها وتخفيفها وتعديلها في مواجهة شر مطلق. وهنا يبرز السؤال الذي يلاحق كل قارئ لهذا التاريخ: أليس هذا دليلاً على أن الأخلاق تتسلل إلى القانون من حيث لا نشعر، وأن الفصل بينهما ليس ممكناً ولا مرغوباً فيه؟ أم أنه دليل فقط على أن البشر، وهم كائنات أخلاقية بالضرورة، لا يستطيعون الفصل في الممارسة العملية بين هويتهم النظرية ومشاعرهم الإنسانية، مهما تدربوا على البرودة الأكاديمية؟ كيلسن نفسه لم يقدم إجابة نهائية على هذا السؤال، وربما كانت حيرته هي أعظم ما تركه لنا.
ختاما
إذا عدنا إلى السؤال الأول: هل كان على الجندي أن يطيع أم يعصي؟
بعد هذا الاستعراض، فلنكن صادقين معه، هو خاسر في كل الأحوال، إن أطاع فسيقتل عشرة أبرياء ويعيش مع كوابيسهم، وإن عصى فسيقف أمام محكمة عسكرية. يمكن للقانون الوضعي أن يخيفه بالعقوبة الآن، ويمكن للقانون الطبيعي أن يذكره بالندم الأبدي، لكن ضميره وحده من سيعيش مع النتيجة. فليس المهم أن يختار الصواب المجرد لأنه غير مضمون، المهم ألا يختار الخوف فقط، فإن أطاع فليكن عن قناعة لا عن ذعر، وإن عصى فليكن عن يقين أن ثم قانوناً أسمى من قانون الثكنات. وعندها فقط، أياً كانت المحكمة التي سيمثل أمامها، سيكون له ما يدافع به عن نفسه.


رأيى بعد ما بحثت عن الموضوع شوي
عجبني الموضوع جدا، خصوصا الربط بين القانون والأخلاق، لأن التاريخ نفسه كشف إن القانون لوحده مش دايما معيار للعدل. فلو كان القانون مجرد قواعد شكلية من غير ضمير، إزاي نفسر محاكمات نورمبرغ وإدانة جرائم النازية؟
يكفي نفتكر محرقة الهولوكوست، اللي أودت بحياة حوالي ستة ملايين يهودي، علشان ندرك إن وجود قانون أو نظام مش معناه بالضرورة وجود إنسانية أو عدالة، وإن الشر ممكن يلبس ثوب القانون نفسه. لذلك يبدو إن الإنسان ما يقدرش يهرب تماما من السؤال الأخلاقي، ويمكن حيرة كلسن نفسها كانت دليل على إن المسافة بين القانون والأخلاق مش بالوضوح اللي بنتصوره. وأحيانا بيكون السؤال الأخلاقي أهم من السؤال القانوني، ودي من أكتر النقاط اللي أثارها النص بشكل يدعو للتفكير.