أكتب هذه الكلمات في ساعة متأخرة من الليل، حين يصبح العالم ساكنًا بما يكفي لسماع صوت أفكاري. أفكر كثيرًا في الموت لا كعدو، بل كزائر صامت يجلس على طرف سريري، يراقبني وأنا أكتب أو أرتّب كتبي أو أعيد ملئ كوب الشاي للمرة الثالثة في اليوم. أفكر: ماذا لو اختفيت فجأة؟ ليس بدافع الحزن أو اليأس، بل لأن هذا الاحتمال صار جزءًا من وعيي، كأنه أحد خيارات الواقع.
لو رحلت، سيجدون بين أغراضي مفكرة صغيرة بعنوان "أشياء أريد قولها قبل فوات الأوان"، قصائد لم يقرأها أحد، رسومات لأشخاص لم يولدوا بعد، قائمة أمنيات بسيطة كتبتها ذات مساء: "تعلم العزف على البيانو، السفر إلى مكان بعيد، كتابة رسالة إلى نفسي بعد عشر سنوات". سيجدون أيضًا قلبي هناك، مبعثرًا على شكل أسئلة، كل واحدة منها كانت محاولة لفهم هذا العالم.
الموت في العشرينيات يبدو كفيلم توقف قبل نهايته. الأحلام الكبيرة، الضحكات، العلاقات التي لم تبدأ بعد، الخطط المؤجلة، كلها تصبح فجأة مجرد ملاحظات على الهامش. لكن ثمة شيء عجيب في هذا الرحيل المبكر، ربما لأني سأبقى في ذاكرة من عرفوني كما أنا الآن: بوجهي، بأحلامي، بأخطائي التي لم تتسع لها الحياة.
الغريب أن الموت يجعل كل التفاصيل الصغيرة ثمينة. فجأة، يصبح صوت أمي وهي تناديني للغداء شيئًا لا يُنسى. ضحكة أخي التي كنت أجدها مزعجة تصبح أغلى من الذهب. حتى شجاراتنا التافهة على جهاز التلفاز تتحول إلى لحظات مقدسة. نكتشف متأخرين أن ما ظنناه عادياً، كان في الحقيقة الحياة.
أحببت الحياة رغم كل شيء. رغم أني كنت أخاف الوحدة وأحب العزلة، رغم أني كنت أبتسم كثيرًا وأكتب عن الحزن في الدفاتر. كنت أريد وقتًا أطول لأرتّب فوضاي، لأصلح قلبي، لأقول ما لم أجرؤ على قوله. لكن لو لم يأتِ هذا الوقت، فربما يكفي أن أترك أثرًا بسيطًا، مثل رائحة القهوة في صباح هادئ، أو بصمة أصبع على صفحة مذكرات.
إلى من سيقرأ هذا لاحقًا: لا تبحثوا عني بين الأوراق، ولا تفتشوا عني في الصور. أنا هناك، في النقطة التي يلامس فيها ضوء الصباح حافة النافذة، في الصمت الذي يملأ الغرفة حين تغلقون الباب، في الحنين المفاجئ الذي يزوركم عند سماع أغنية كنتُ أحبها.
إذارحلت قبل أن أتعلم كيف أعيش، فإني قد عشت بما يكفي لأكتب، لأرسم، لأحب، ولأترك شيئًا صغيرًا خلفي... يشبهني.



لامستني كلماتكِ لكني، ومن حيث أنا، ما زلت أؤمن أن الحياة تُخبئ لنا مفاجآت صغيرة تستحق العيش لأجلها.
أتعرفين؟ ما زال هناك متّسع لصباحات تبدأ برائحة الخبز، لصديقة ترسل لكِ صورة ورد فقط لأنها تذكّرتك، لنكتة سخيفة تضحكين عليها رغم كل شيء.
ما زال هناك متّسع لأن تتعلمي العزف، لا لتتقني، بل لتشعري بلحنٍ يشبه قلبك. لأن تسافري، حتى لو كانت الرحلة إلى مكتبة قديمة في شارع جانبي، أو إلى مقهى تقرئين فيه كتابًا جديدًا وتبتسمين لشخص غريب.
كما ذكرتِ الموت، نعم، زائر لا يُخيفني أيضًا، لكنه ليس الضيف الوحيد.
هناك أيضًا الحياة، تأتي كل يوم، بملامح مختلفة: طفل يركض بلا سبب، غيمة تشبه قلبك، كوب شاي يصاحبك في العزلة دون أن يطلب تبريرًا.
وأحيانًا، الحياة تكون فقط شخصًا يكتب لكِ رسالة يقول فيها: “أنا هنا، وأنتِ هنا، وهذا كافٍ لبعض من الأمل.”
فلا تنسي، يا صديقتي، أن كل ما تركتهِ من أثر حتى الآن، هو مجرّد بداية.
اكثر شيء لمسني هو لما قلت "إن الموت يجعل كل تفاصيل الصغيرة ثمينة"مثل يصبح صوت الام وهي تنادي للغداء شيئا لا ينسى، خليتني افكر قد إيش نمر على لحظات عظيمة وإحنا نحسبها عادية.