أكثر جملة لفتت انتباهي هي أن السؤال ليس: «هل نختار؟» بل: «كيف نصبح؟». لأنني أظن أننا لا نختار كل ما نكونه، وفي الوقت نفسه لا نُختزل في ظروفنا وتجاربنا فقط.
فى أشياء فُرضت علينا منذ البداية، وأخرى نختارها ونحن نمضي في الطريق، ولهذا تبدو رحلة التشكّل أهم من مجرد سؤال الاختيار.
إن كون الذاكرة "راوية غير أمينة" ليس عيبًا بيولوجيًا، بل هو آلية دفاعية وجودية؛ فلو كانت ذاكرتنا فوتوغرافية جامدة لا تنسى ولا تُعدّل كالهواتف الذكية، لمتنا كمدًا تحت وطأة أخطائنا وصدماتنا القديمة. هذه الخيانة اللطيفة التي تمارسها الذاكرة هي التي تتيح لنا النجاة، فنحن بحاجة ماسة إلى تحرير ماضينا من "دقة الأرشيف" لنمنح حاضرنا فرصة التنفس. وهنا يبرز سحر "إعادة السرد"، فالقول بأن الهوية حكاية وبأن العلاج النفسي هو إعادة تعلم سرد قصتنا يلمس جوهر الوجود الإنساني؛ فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعيش داخل "نص"، وعندما نغير مفرداتنا وقراءتنا للأحداث، نغير الكيمياء الحيوية لوعينا، لتنتقل الذات من خانة الضحية المستسلمة إلى خانة البطل الذي يمر باختبار، وهو ما يكسر قفل السجن المؤسساتي والاجتماعي. لكن هذا التغيير السردي يظل طيفًا عابرًا ما لم ينحز إلى "فيزيائية الهوية" وخلاص الجسد؛ ففي لحظات الشتات والشك الوجودي، يصبح العقل متاهة مشلولة ويكون الجسد هو المرساة. إن الحركة، والعمل الشاق، والعادات الصغيرة المتراكمة هي التي تسكب الهوية في قالب صلب على أرض الواقع، فشجاعتك ليست فكرة تأملية في رأسك، بل هي خطوتك المادية للأمام والقلب يرتجف.
وفي النهاية، ينتهي هذا الطرح بتصالح ناضج مع الكينونة؛ فنحن لسنا آلهة ننبثق من العدم المطلق، ولسنا في الوقت ذاته دمى هشة تحركها خيوط الحتميات. نحن "مؤلفون مشاركون" في كتابة روايتنا؛ قد يُفرض علينا الحبر والورق وظروف المحيط، لكن "نبرة الصوت" وصياغة المتن وتوجيه الخاتمة تظل، وستظل دائمًا، صنعتنا الشخصية. ولعل العبرة الكبرى هنا هي أن السؤال الحقيقي ليس "من أنا؟" كجثة هامدة محنطة في ماضٍ مضى، بل "كيف أتشكل الآن؟" ككائن حي، حر، وفاعل يتحرك نحو الغد.
لا لسنا حرين تماماً بأن نكون ما نريد .. هناك دين يفرض وعادات تفرض وظروف تفرض ومجتمعات وقوانين وغيرها كلها تشكل لنا نوع من انواع الحدود والقيود إن اردنا القول .. وما بين هذا وذلك. لنا حرية ان نكون في ضمن هذه الشروط
كنت بقرأ كتاب موخرا يتمحور حول رحلة البحث عن الذات لأني لم اعد اعرف مااريد وحقا انارني في نهاية كتاب جملة جميلة تقول بأن ذاتك حقيقة لن تجدها ولو بحثت لسنين لأنها غير موجودة وجب عليك صناعتها وإعادة تشكيلها مرارا وتكرارا وهاذا نفس فكرةً مقالك يامنال 🧠
لا تكون هويتك من صنع يديك البتة، بل هي نتيجة حتمية لشبكة معقدة من القواعد والتصنيفات والمؤسسات التي سبقت وجودك بقرون، وما تزال تحيط بك من كل جانب. لم تختر، على سبيل المثال، أن تكون الابن المغترب في مجتمع يقيس الانتماء باللهجة أو الأصل. فقد وُلدت في عالم كان يعرف قبلك تماماً كيف يوزع الأدوار، أي اللهجات مرموقة وأيها فلاحيه ، وأي الأصول أصيلة وأيها دخيلة ، وأي أماكن السكن راقية وأيها شعبية . أنت لم تختر أن يحدد عنوان سكنك أو لهجة عائلتك كيفية معاملة الناس لك في المدرسة أو في مقابلة عمل، لكن هذه التصنيفات صارت جزءاً من هويتك اليومية.
هذا الجزء كان مؤلمًا لا أدري لماذا ، ربما كان حقيقيًا وواقعيًا لهذه الدرجة .
مقال يعيد تعريف الذات خارج اطر الاوهام الرومانسية عن الحرية المطلقة او السقوط في فخ الحتمية والجبر
الجميل هنا هو تفكيك فكرة البحث عن الهوية كشئ جاهز مدفون في الداخل والاشارة الى انها صيرورة وصناعة يومية تراكمية تبدا من الحركة والفعل لا من شلل التفكير
اننا بالتاكيد لسنا صفحات بيضاء لكننا ايضا لسنا سجناء بشكل كامل بل نحن رواة قصصنا الذين نملك دائما فرصة اعادة كتابة السطور وتشغيل الايدي لتشكيل ما سنكون عليه
أكثر جملة لفتت انتباهي هي أن السؤال ليس: «هل نختار؟» بل: «كيف نصبح؟». لأنني أظن أننا لا نختار كل ما نكونه، وفي الوقت نفسه لا نُختزل في ظروفنا وتجاربنا فقط.
فى أشياء فُرضت علينا منذ البداية، وأخرى نختارها ونحن نمضي في الطريق، ولهذا تبدو رحلة التشكّل أهم من مجرد سؤال الاختيار.
نص مثير ويستحق التأمل .
إن كون الذاكرة "راوية غير أمينة" ليس عيبًا بيولوجيًا، بل هو آلية دفاعية وجودية؛ فلو كانت ذاكرتنا فوتوغرافية جامدة لا تنسى ولا تُعدّل كالهواتف الذكية، لمتنا كمدًا تحت وطأة أخطائنا وصدماتنا القديمة. هذه الخيانة اللطيفة التي تمارسها الذاكرة هي التي تتيح لنا النجاة، فنحن بحاجة ماسة إلى تحرير ماضينا من "دقة الأرشيف" لنمنح حاضرنا فرصة التنفس. وهنا يبرز سحر "إعادة السرد"، فالقول بأن الهوية حكاية وبأن العلاج النفسي هو إعادة تعلم سرد قصتنا يلمس جوهر الوجود الإنساني؛ فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعيش داخل "نص"، وعندما نغير مفرداتنا وقراءتنا للأحداث، نغير الكيمياء الحيوية لوعينا، لتنتقل الذات من خانة الضحية المستسلمة إلى خانة البطل الذي يمر باختبار، وهو ما يكسر قفل السجن المؤسساتي والاجتماعي. لكن هذا التغيير السردي يظل طيفًا عابرًا ما لم ينحز إلى "فيزيائية الهوية" وخلاص الجسد؛ ففي لحظات الشتات والشك الوجودي، يصبح العقل متاهة مشلولة ويكون الجسد هو المرساة. إن الحركة، والعمل الشاق، والعادات الصغيرة المتراكمة هي التي تسكب الهوية في قالب صلب على أرض الواقع، فشجاعتك ليست فكرة تأملية في رأسك، بل هي خطوتك المادية للأمام والقلب يرتجف.
وفي النهاية، ينتهي هذا الطرح بتصالح ناضج مع الكينونة؛ فنحن لسنا آلهة ننبثق من العدم المطلق، ولسنا في الوقت ذاته دمى هشة تحركها خيوط الحتميات. نحن "مؤلفون مشاركون" في كتابة روايتنا؛ قد يُفرض علينا الحبر والورق وظروف المحيط، لكن "نبرة الصوت" وصياغة المتن وتوجيه الخاتمة تظل، وستظل دائمًا، صنعتنا الشخصية. ولعل العبرة الكبرى هنا هي أن السؤال الحقيقي ليس "من أنا؟" كجثة هامدة محنطة في ماضٍ مضى، بل "كيف أتشكل الآن؟" ككائن حي، حر، وفاعل يتحرك نحو الغد.
ما أجمل مقالك يا منال
لا لسنا حرين تماماً بأن نكون ما نريد .. هناك دين يفرض وعادات تفرض وظروف تفرض ومجتمعات وقوانين وغيرها كلها تشكل لنا نوع من انواع الحدود والقيود إن اردنا القول .. وما بين هذا وذلك. لنا حرية ان نكون في ضمن هذه الشروط
كنت بقرأ كتاب موخرا يتمحور حول رحلة البحث عن الذات لأني لم اعد اعرف مااريد وحقا انارني في نهاية كتاب جملة جميلة تقول بأن ذاتك حقيقة لن تجدها ولو بحثت لسنين لأنها غير موجودة وجب عليك صناعتها وإعادة تشكيلها مرارا وتكرارا وهاذا نفس فكرةً مقالك يامنال 🧠
تحكمنا في ذاكرتنا الخارجية لايحررنا من قيود الماضي بل يجملها ويلونها لنا لتشبع تخيلاتنا عن الهوية التي نريدها …
لا تكون هويتك من صنع يديك البتة، بل هي نتيجة حتمية لشبكة معقدة من القواعد والتصنيفات والمؤسسات التي سبقت وجودك بقرون، وما تزال تحيط بك من كل جانب. لم تختر، على سبيل المثال، أن تكون الابن المغترب في مجتمع يقيس الانتماء باللهجة أو الأصل. فقد وُلدت في عالم كان يعرف قبلك تماماً كيف يوزع الأدوار، أي اللهجات مرموقة وأيها فلاحيه ، وأي الأصول أصيلة وأيها دخيلة ، وأي أماكن السكن راقية وأيها شعبية . أنت لم تختر أن يحدد عنوان سكنك أو لهجة عائلتك كيفية معاملة الناس لك في المدرسة أو في مقابلة عمل، لكن هذه التصنيفات صارت جزءاً من هويتك اليومية.
هذا الجزء كان مؤلمًا لا أدري لماذا ، ربما كان حقيقيًا وواقعيًا لهذه الدرجة .
مقال يعيد تعريف الذات خارج اطر الاوهام الرومانسية عن الحرية المطلقة او السقوط في فخ الحتمية والجبر
الجميل هنا هو تفكيك فكرة البحث عن الهوية كشئ جاهز مدفون في الداخل والاشارة الى انها صيرورة وصناعة يومية تراكمية تبدا من الحركة والفعل لا من شلل التفكير
اننا بالتاكيد لسنا صفحات بيضاء لكننا ايضا لسنا سجناء بشكل كامل بل نحن رواة قصصنا الذين نملك دائما فرصة اعادة كتابة السطور وتشغيل الايدي لتشكيل ما سنكون عليه
بمأن الهوية عباره عن عملية مستمرة من التشكل
فهي ياتي عليها يوم وتموت عند موت المرء الحامل لها وفي هذا الوقت ينفك قيدها من العادات والتقاليد التي تعتبر سجن لها
فهي لها يوم وتكون حره او تختفي
مبدعة كالعادة يا منال
مبدعة فوق الوصف♥️
رائع