هل نحن أحرار حقًا في اختيار من نكون؟
ثمة إغراء ساحر في مقولة إن الإنسان ينتخب ذاته من العدم، أنه يولد صحيفة بيضاء يمحوها بما يشاء. في هذه الفكرة ما يشبه الخلاص من كل قيد، وتكريس لكرامة الإرادة: أنا ها هنا، فأنا من اريد. هذا الإغراء ذاته هو ما يدفع المرء أحيانًا إلى تغيير اسمه، أو صنعته، أو حتى حكاية ماضيه، في محاولة يائسة لاستعادة السيطرة على مجرى وجوده. لكن هذا يعني ايضا ان كل فشل في بلوغ ما نصبو إليه يصبح إخفاقًا شخصيًا محضًا، وكل ألم نفسي يتحول إلى ضعف في العزيمة، وكل انحراف عن الطريق المختار يصبح خيانة للذات. فإذا ضاقت بنا رقعة الاتهام إلا على أنفسنا، صار هذا العبء جبلًا ينهار على الظهور، حتى يدفع الكثيرين إلى الهروب إلى نقيضه، وإلقاء الحرية ذاتها وراء ظهورهم. كم من أناس يختارون العيش في كذب مريح على أرواحهم، فيفضلون أن يكونوا نسخًا مكررة عن غيرهم على أن يتحملوا تبعات أن يكونوا هم أنفسهم. يؤدون أعمالًا يمقتونها لأن آباءهم توقعوها منهم، ويدّعون قناعات ليست قناعاتهم لأن جماعاتهم تنتظر ذلك، ويرتبطون بمن لا يحبون لأن المجتمع يراه مناسبًا.
لنفترض جدلًا أن الإرادة الحرة التي نقدّسها ليست سوى وهم جميل نتمسك به. في هذا السيناريو الافتراضي، لا تكون هويتك من صنع يديك البتة، بل هي نتيجة حتمية لشبكة معقدة من القواعد والتصنيفات والمؤسسات التي سبقت وجودك بقرون، وما تزال تحيط بك من كل جانب. لم تختر، على سبيل المثال، أن تكون الابن المغترب في مجتمع يقيس الانتماء باللهجة أو الأصل. فقد وُلدت في عالم كان يعرف قبلك تماماً كيف يوزع الأدوار، أي اللهجات مرموقة وأيها فلاحيه ، وأي الأصول أصيلة وأيها دخيلة ، وأي أماكن السكن راقية وأيها شعبية . أنت لم تختر أن يحدد عنوان سكنك أو لهجة عائلتك كيفية معاملة الناس لك في المدرسة أو في مقابلة عمل، لكن هذه التصنيفات صارت جزءاً من هويتك اليومية. المستشفى يعرف السليم من المريض، والمدرسة تعرف المجتهد من الفاشل، والسجن يعرف المنحرف من العادي. وهذه المؤسسات على سبيل المثال لا تصف الواقع فحسب، بل تمارسه وتخلقه عمليًا بممارساتها اليومية وخطاباتها السلطوية، تحدثنا عن أنفسنا بلغة الخبير الذي لا يخطئ فنصدقها، وتصنفنا إلى شرائح فنصير تلقائيًا ما صُنفنا به. ويمكن ان تقيس على ذلك امثة لا حصر لها، تصبح هويتنا أداءً متكررًا لما يُتوقع منا، فنبدأ منذ الطفولة المبكرة نتعلم كيف نكون وفق سيناريوهات مكتوبة سلفًا، نرتدي أقنعة قيل لنا إنها وجوهنا الحقيقية، ونكرر حركات قيل لنا إنها تعبّر عن جوهرنا، حتى نتحول في النهاية إلى تلك الأقنعة ذاتها فلا نعرف كيف نخلعها.
هويتك ليست أكثر من خيط يربط طفولتك بلحظتك الحالية، إن انقطع هذا الخيط، ضاعت أنت منك. تخيل أن تستيقظ صباحًا ولا تذكر شيئًا مما حدث قبل النوم؛ من تكون حينها؟ هل أنت نفس الشخص الذي ذهب إلى الفراش ليلة أمس؟ سيُجيب الكثيرون بحدس فوري أن هناك انقطاعًا في الوجود، وكأن شخصًا قد مات وآخر وُلد في ذات الجسد وبنفس الوجه. لكن هذه الفرضية الأنيقة تصطدم بمشكلة ان الرابطة التي تجعلنا متصلين عبر الزمن واهية كحبل منحل، لأن الذاكرة ليست أرشيفًا أمينًا تسجل الوقائع بدقة، بل هي راوية ماهرة تعيد صياغة الماضي باستمرار وفق حاجات الحاضر ومشاعر اللحظة. فذكرياتك عن خسارة عاطفية في مراهقتك قد تكون مبالغًا فيها، أو مخففة بغير وعي، أو مختلقة بالكامل بناءً على حاجتك النفسية لتفسير ما أنت عليه اليوم. فإن كان الأمر كذلك، هل أنت الشخص الذي عانى فعلًا؟ أم أنت الشخص الذي يتذكر فقط أنه عانى؟ وهل يختلف الأمر جوهريًا؟ في العصر الرقمي الحالي تضاعف التعقيد بطرق لم يكن يتخيلها أحد كون ذاكرتك لم تعد ملكك وحدك، فالهاتف في جيبك يتذكر كل صورة التقطتها وكل رسالة أرسلتها وكل مكان زرته. ذاكرة اصطناعية لا تنسى، لكنها قابلة للحذف والتعديل بعناية. والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هنا هو : حين نتحكم بهذه الدرجة في ذاكرتنا الخارجية، أتحررنا من قيود الماضي، أم أننا ببساطة نخترع شخصيات وهمية نعيش تحت عباءتها؟
لعل الهوية ليست شيئًا نمتلكه مطلقًا، ولا كنزًا مخفيًا نبحث عنه طوال الحياة، بل هي حكاية نحكيها باستمرار لأنفسنا وللآخرين. لسنا كتلة من صفات ثابتة ولا جوهرًا لا يتغير، نحن أبطال رواية لا نعرف نهايتها بعد، ونحن من يكتبها فصلًا فصلًا. كل مرة نروي فيها قصة حياتنا لصديق، أو نكتب مذكرة في دفتر، أو حتى نفكر في ماضينا ونحن نستحم، فإننا لا نعيد سرد ما حدث فحسب، بل نعيد كتابة الرواية من جديد. نختار أي التفاصيل نبرز وأيها نطمس، وأي الأحداث نجعلها محورية وأيها هامشية، وأي الشخصيات الثانوية نمنحها دورًا أكبر. وهذا ليس هروبًا من الحقيقة ولا تلاعبًا بالواقع، هو الحقيقة ذاتها كما تعيش في الإنسان. فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يمنح المعنى للأحداث؛ فأي حادثة في حياتك لا تهم بقدر ما تصنع منها أنت. هناك فرق شاسع بين أن تقول ضاعت مني الفرصة، وبين أن تقول أتاحت لي تلك الفرصة الضائعة أن أرى فرصة أفضل لم تكن في حسباني. نفس الحدث العاري، حكايتان مختلفتان بالكامل، ومن ثم شخصيتان مختلفتان ومساران مختلفان في الحياة. والعلاج النفسي، في جوهره العميق، ليس أكثر من إعادة تعلّم لسرد حكايتنا بشكل مختلف، تدريب على تحويل قصص الضعف إلى قصص صمود، وتحويل لحظات الخزي إلى مصادر قوة وفخر، وتحويل الإخفاقات إلى دروس ومراحل تأسيسية. أنت لست أسير ماضيك بقدر ما أنت راوٍ ماهر يستطيع تغيير كل شيء بمجرد إعادة صياغة الجملة الافتتاحية لحكايته.
وفي النهاية، كل هذا الكلام الجميل عن القصص والذكريات والحرية والتمرد يبقى طيفًا غير ملموس إن لم يرتبط بالجسد الحي الذي تعيش فيه. الهويةهي بقدر كبير ما تفعله بجسدك على أرض الواقع، التجاعيد التي تظهر على وجهك بعد سنوات من القلق والأرق، وقوة قبضة يدك بعد عمل شاق وطويل، ووقفتك ومشيتك حين تواجه خطرًا أو موقفًا صعبًا، ونظرة عينيك حين تلتقي بمن تحب أو تخاف. نحن نبني هوياتنا بأفعالنا المتكررة لا بأحلامنا المنعزلة. إن أردت أن تكون شجاعًا حقًا، فلا يكفي أن تردد كلمات الشجاعة في غرفتك؛ ما عليك سوى أن تفعل الأفعال الشجاعة مرارًا وتكرارًا، حتى لو كانت صغيرة في البداية، حتى تصير الشجاعة رديفًا لاسمك وطبيعة ثانية لك. وإن أردت أن تكون عادلًا، فتصرف بالعدل كل يوم، في الصغير والكبير، حتى يتحول العدل إلى عادة وجزء من تكوينك. هويتك ليست اكتشاف كنز ثمين كامن في داخلك بانتظار أن تجده، بل هي بناء تدريجي متراكم عبر العادة والتكرار والممارسة اليومية. هناك قسوة وجمال في هذه الفكرة معًا أنت لا تجد نفسك أبدًا، أنت تصنعها وتصنعها وتصنعها من خلال ما تكرره كل يوم، من خلال عاداتك الصغيرة التي لا تلاحظها، من خلال ردود أفعالك الآلية، من خلال الخيارات اليومية التافهة التي تبدو بلا أهمية. تصير هويتك في النهاية مجموعة من ردود الفعل المتراكمة التي تحولت إلى طباع ثابتة. ولهذا السبب فإن أزمة الهوية الحقيقية ليست أزمة فكر أو تأمل فقط، بل هي أزمة فعل وشلل في الإرادة ايضا. إنها ذلك الشعور المرعب بالوقوع في مستنقع حيث لا تستطيع القيام بأي شيء لأنك لم تعد تعرف من أنت. لكن الحل، كما قد يبدو متناقضًا، هو أن تفعل شيئًا، أي شيء ولو بسيطًا، ثم تفعل شيئًا آخر، ثم ثالثًا. وبعد قليل من التكرار والممارسة، ستفاجأ بأن الفعل قد بدأ يشكلك من جديد، وأن الهوية التي كنت تبحث عنها قد بدأت تظهر من تحت الأيدي العاملة لا من فوق رأس المفكر.
ونعود في النهاية إلى سؤال البداية: هل نختار من نكون؟ الإجابة التي تتكشف لنا بعد هذه الرحلة الطويلة في متاهات الحرية والجبر والذاكرة والسرد والجسد، هي أن الواقع لا يشبه لوحة بيضاء ولا سجنًا محكمًا، الواقع يشبه لوحة جدارية قديمة معقدة: لا نمط واحد فيها يطغى على الآخر، ولا لون واحد يمحو ما سواه. نحن نختار، ولكن ضمن حدود لم نخلقها؛ نحن أحرار، ولكن داخل أقفاص بنيناها بأنفسنا عبر آلاف السنين من العادات والتقاليد والمؤسسات؛ نحن حكايتنا في لحظة الحكي بالضبط، وماضينا في لحظة التذكر والتشويه، وجسدنا في لحظة الحركة والسكون. لعل السؤال الصائب ليس “هل نختار؟” على الإطلاق، بل سؤال آخر مختلف جذريًا: “كيف نصبح؟” لأن الهوية، كما حاولنا أن نبين، ليست نقطة وصول نصل إليها يومًا ما ونرتاح، ولا جوهرًا ثابتًا نكتشفه في أعماقنا. الهوية هي عملية مستمرة من التشكل وإعادة التشكل، من البناء والانهيار وإعادة البناء. هي قرار يومي في أغلب الأحيان غير واعٍ تمامًا، بإعادة تأليف الذات من جديد، انطلاقًا من كل ما ورثناه عن آبائنا ومجتمعنا وجيناتنا، ومن كل ما اخترناه بوعي أو بغير وعي، ومن كل ما تذكرناه وما نسيناه، ومن كل ما فعلناه أو أهملنا فعله.



أكثر جملة لفتت انتباهي هي أن السؤال ليس: «هل نختار؟» بل: «كيف نصبح؟». لأنني أظن أننا لا نختار كل ما نكونه، وفي الوقت نفسه لا نُختزل في ظروفنا وتجاربنا فقط.
فى أشياء فُرضت علينا منذ البداية، وأخرى نختارها ونحن نمضي في الطريق، ولهذا تبدو رحلة التشكّل أهم من مجرد سؤال الاختيار.
نص مثير ويستحق التأمل .
إن كون الذاكرة "راوية غير أمينة" ليس عيبًا بيولوجيًا، بل هو آلية دفاعية وجودية؛ فلو كانت ذاكرتنا فوتوغرافية جامدة لا تنسى ولا تُعدّل كالهواتف الذكية، لمتنا كمدًا تحت وطأة أخطائنا وصدماتنا القديمة. هذه الخيانة اللطيفة التي تمارسها الذاكرة هي التي تتيح لنا النجاة، فنحن بحاجة ماسة إلى تحرير ماضينا من "دقة الأرشيف" لنمنح حاضرنا فرصة التنفس. وهنا يبرز سحر "إعادة السرد"، فالقول بأن الهوية حكاية وبأن العلاج النفسي هو إعادة تعلم سرد قصتنا يلمس جوهر الوجود الإنساني؛ فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعيش داخل "نص"، وعندما نغير مفرداتنا وقراءتنا للأحداث، نغير الكيمياء الحيوية لوعينا، لتنتقل الذات من خانة الضحية المستسلمة إلى خانة البطل الذي يمر باختبار، وهو ما يكسر قفل السجن المؤسساتي والاجتماعي. لكن هذا التغيير السردي يظل طيفًا عابرًا ما لم ينحز إلى "فيزيائية الهوية" وخلاص الجسد؛ ففي لحظات الشتات والشك الوجودي، يصبح العقل متاهة مشلولة ويكون الجسد هو المرساة. إن الحركة، والعمل الشاق، والعادات الصغيرة المتراكمة هي التي تسكب الهوية في قالب صلب على أرض الواقع، فشجاعتك ليست فكرة تأملية في رأسك، بل هي خطوتك المادية للأمام والقلب يرتجف.
وفي النهاية، ينتهي هذا الطرح بتصالح ناضج مع الكينونة؛ فنحن لسنا آلهة ننبثق من العدم المطلق، ولسنا في الوقت ذاته دمى هشة تحركها خيوط الحتميات. نحن "مؤلفون مشاركون" في كتابة روايتنا؛ قد يُفرض علينا الحبر والورق وظروف المحيط، لكن "نبرة الصوت" وصياغة المتن وتوجيه الخاتمة تظل، وستظل دائمًا، صنعتنا الشخصية. ولعل العبرة الكبرى هنا هي أن السؤال الحقيقي ليس "من أنا؟" كجثة هامدة محنطة في ماضٍ مضى، بل "كيف أتشكل الآن؟" ككائن حي، حر، وفاعل يتحرك نحو الغد.