العدد الأول: لماذا لا يزال تراث العالم أسير المتاحف الغربية؟
أولى مقالات النشرة الأسبوعية. موعدنا كل ثلاثاء
أول قطعة تصادفك عند دخولك المتحف البريطاني هي حجر رشيد. قطعة من البازلت الأسود، محفورة بثلاثة نصوص: بالهيروغليفية والديموطيقية واليونانية القديمة. يعود تاريخ القطعة إلى عام 196 قبل الميلاد وتعتبرالقطعة التي فكت شفرة اللغة المصرية القديمة بعد قرون من الضياع.
في عام 1799، عثر جنود نابليون على الحجر أثناء حفر أساسات حصن في بلدة رشيد المصرية. بعد عامين، هزمت القوات البريطانية الفرنسيين في مصر، وصادرت أكثر من عشرة آثار مصرية بموجب معاهدة الإسكندرية. حجر رشيد كان على رأس القائمة. المتحف البريطاني يبرر احتفاظه بالحجر بأن المعاهدة وُقعت من قبل ضابط عثماني في الوقت الذي كانت الدولة العثمانية تحكم مصر اسميًا . لكن علماء الآثار المصريين، مثل زاهي حواس، يردون بأن هذا الضابط لم يكن له الحق في التوقيع على ممتلكات مصر الثقافية. ويضيفون أن الحجر نُهب خلال حرب أجنبية دارت على أرضهم، ولم تكن لهم يد فيها.
اليوم، يتداول مصريون عريضة تطالب بإعادة الحجر. وفي عام 2022، أعلنت مصر عن خطط لاستضافته في المتحف المصري الكبير بالجيزة الذي يعد من أكثر متاحف العالم تطورًا من الناحية التقنية. لكن المتحف البريطاني لم يُبدِ أي استعداد للإعادة. والمؤلم أن البريطانيين كتبوا على جانبي الحجر مما غيَّر القطعة الأثرية إلى الأبد.
برونزيات بنين
قطع مصنوعة من النحاس الأصفر وليس البرونز، تعود إلى مملكة بنين في نيجيريا الحالية، وتحديدًا إلى القرن السادس عشر. كانت تغطي جدران القصر الملكي، وتُستخدم في الطقوس الدينية، كانت أشبه بـ”أرشيف بصري” لمملكة لم تطور نظام كتابة بالمعنى التقليدي. كما يصفها البروفيسور تشيكا أوكيكي-أغولو، مؤرخ الفن النيجيري: “كانت تروي تاريخ المملكة، وتحكي قصص الملوك والحياة السياسية والاجتماعية”. لكن في يناير 1897. بعد مقتل سبعة مبعوثين بريطانيين على أطراف المملكة، أرسلت لندن 1200 جندي مزودين بالرشاشات في بعثة عقابية . الهدف المعلن كان الانتقام. لكن التقارير السرية تحدثت عن كنوز هائلة في قصر الملك يمكن أن يغطي بيعها تكاليف الغزو.
دخل الجنود، أحرقوا المدينة بالكامل. لكن قبل ذلك، نهبوا بعناية آلاف القطع البرونزية والمنحوتات العاجية. صوروها. رتبوها. بل وضعوا عليها ملصقات تشير إلى أنها غنيمة حرب باللغة الإنجليزية. لا تزال إحدى الصور من ذلك اليوم تُظهر جنودًا بريطانيين وهم يحملون الألواح البرونزية المفككة من جدران القصر. المنطقة سقطت بالكامل تحت السيطرة الاستعمارية البريطانية حتى استقلت نيجيريا عام 1960.
يقول البروفيسور أوكيكي-أغولو: “في عام 1995، كانت تلك المرة الأولى التي أرى فيها عملاً فنياً أصليًا من بنين. في المتحف البريطاني. كنت أشعر بالفخر بإنجاز أولئك الفنانين القدماء، لكنه كان ممزوجًا بحس الفقدان. لو بقيت هذه القطع في نيجيريا، لكنت سافرت بضع مئات من الأميال فقط. لكن بدلاً من ذلك، اضطررت للسفر من نيجيريا إلى لندن. ومعظم النيجيريين لن يروها أبدًا”.
منحوتات البارثينون
ربما أشهر قضية جدل في عالم الآثار. منحوتات البارثينون التي يفضّل البريطانيون تسميتها “رخاميات إلجين” نسبة إلى اللورد الذي أخذها، كانت تزين معبد أثينا البارثينوس فوق أكروبوليس أثينا. اكتملت عام 437 قبل الميلاد، وتعتبر واحدة من أعظم الإنجازات الفنية في العالم القديم.
في عام 1801، وصل اللورد إلجين نبيل اسكتلندي ونائب الملك البريطاني في البحر المتوسط إلى أثينا. كانت اليونان آنذاك تحت الحكم العثماني. وجد المعبد متضررًا بشدة من زلازل قديمة، ومن انفجار هائل عام 1667 عندما استخدم العثمانيون المعبد كمخزن للبارود. أصر إلجين على أنه حصل على إذن كامل من السلطان العثماني وثيقة قانونية تسمى “فرمان”. لكن النص الأصلي لهذا الفرمان لم يُعثر عليه أبدًا. ما لدينا فقط ترجمة إيطالية غير موثقة بالكامل. استأجر إلجين عمالًا لنشر المنحوتات بمناشير، وتقطيعها إلى أجزاء لتخفيف الوزن. غرقت إحدى السفن المحملة بالمنحوتات في عاصفة قبالة الساحل اليوناني، واستغرق انتشالها عامين. وعندما وصلت المنحوتات إلى لندن، كان إلجين غارقًا في الديون بسبب طلاق مكلف، فاضطر لبيعها للحكومة البريطانية بأقل من نصف ما أنفقه عليها.
هذه القطع ليست سوى أمثلة. هناك العشرات غيرها. بعضها معروض في قاعات المتحف، وبعضها الآخر يقبع في المخازن. بعضها تطالب به دول بأكملها، وبعضها تطالب به قبائل ومجتمعات محلية.
هذه المؤسسات صُممت كمؤسسات استعمارية من البداية.
في لندن، يمكنك أن تدخل أي متحف وترى تراثًا من الهند ونيجيريا واليونان ومصر، مع تجاهل تام لقصة وصول هذه القطع إلى هناك. المتاحف تدعي أنها مساحات محايدة، لكنها تستخدم صيغة المبني للمجهول في كل وصف، “جُلبت”، “نُقلت”، “حُصل عليها”. كأن الأشياء حدثت وحدها، من غير فاعل. وهنا يقودنا الدكتور قطب أحمد، الباحث المصري المتخصص في التراث الثقافي بجامعة غنت، إلى كشف زيف هذه الحياد. يشرح قطب أن المتاحف ليست أكثر من سرديات مكتملة الأركان، ونظرًا للتكلفة الهائلة والجهد الكبير الذي يتطلبه إنشاء متحف وجمع مقتنياته، فمن المستحيل أن تكون هذه السرديات محايدة. ما يجب أن نركز عليه حقًا هو القصة التي يرويها كل متحف، ومن هو “نحن” الذي يفترض أن يشاهد هذه العروض. فـ نحن لا تعني البشرية جمعاء كما يُوهمنا المتحف، بل تشير إلى مجموعة معينة تملك وحدها سلطة النظر والتصنيف والحكم على الآخرين.
في تصريح له على قناة فرانس 24، قال المؤرخ الفني الفرنسي ديدييه رينكن : “القطع الأفريقية مصنوعة من الخشب، لم تكن مصممة لتدوم. لو لم نأخذها نحن الأوروبيون، لكانت تحللت. نحن من حوّلناها إلى فن”. وهذه العبارة تعني: “أنتم لم تعرفوا قيمة ما لديكم، فجئنا نحن السادة البيض لنحدد ما هو فن وما هو ليس كذلك، ولننقذ تراثكم من أنفسكم” حجة عنصرية مستفزة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. تجسيدا لنظرة “الرجل الأبيض المنقذ” التي بررت قرونًا من الاستعباد والنهب والاستعمار. الفكرة أن المستعمر لم يأتِ ليستعمر، بل ليحفظ. لم ينهب، بل أنقذ. وأن صاحب الأرض الأصلي لا يدرك قيمة تراثه، فيأتي المستعمر ليفعل ذلك نيابة عنه.
“التعاريف ملك لأصحاب التعريف، وليس للمُعرَّفين”. توني موريسون
من يملك السلطة يملك تعريف الكلمات. ومن يملك تعريف الفن يملك تحديد ما يستحق الحفظ وما لا يستحق. وفي السياق نفسه، يضيف الدكتور قطب أحمد بُعدًا آخر بالغ الأهمية، وهو أن قصة وصول القطعة إلى علبة العرض الزجاجية أي ما يعرف بـبروفينانس القطعة غالبًا ما تكون غائبة تمامًا عن النصوص التوضيحية، فالمتحف قد يكتب صفحات عن جمال القطعة وبراعة صناعتها، لكنه بذلك يروي قصة يتيمة مقتطعة من سياقها الأصلي.
في كل مقابلة صحفية وكل بيان رسمي، يكرر ان المتحف البريطاني هو متحف عالمي يروي قصة الإنسانية جمعاء. تفكيك هذه المجموعة سيكون خسارة للعالم بأسره. لكن من قرر أن هذا التمثال تحديدًا يجب أن يكون في لندن وليس في معبده الأصلي ؟
تذهب المؤرخة الفرنسية فرانسواز فرلان إلى رأي أكثر جذرية، إذ تجادل في كتابها هل يمكن إنهاء استعمار المتاحف الغربية؟ بأن جريمة المتاحف الغربية لا تكمن فقط في احتوائها قطعًا منهوبة، بل في لحظة ميلادها ذاتها، المتاحف الغربية وُلدت من رحم عصر التنوير الأوروبي في القرن الثامن عشر، حيث آمن الأوروبيون أنهم وحدهم القادرون على عرض تاريخ البشرية وإنسانيتها. بمعنى آخر، وُلد المتحف الحديث كأداة إمبراطورية لتبرير التوسع الاستعماري، وإظهار الآخر كفضول غريب، وكدليل على تفوق الحضارة الأوروبية. صُمم المتحف ليجعل الزائر الأوروبي يشعر بتفوقه الحضاري،فينظر إلى القطع المعروضة على أنها شواهد على حضارات بالية. وُلدت المتاحف الغربية كمشروع استعماري لتبرير التوسع والنهب والقمع، ولذلك حتى لو أعادت هذه المتاحف كل القطع المسروقة، فإن بنيتها العميقة ستظل إشكالية. و السؤال يظل قائمًا حول إمكانية إنهاء استعمار المتاحف بمجرد إعادة كل شيء إلى موطنه.
إعادة كل شيء هي الخطوة الأولى، لأن هذا ما يعنيه إنهاء الاستعمار حرفيًا: إعادة الأرض، وفي هذه الحالة إعادة التراث والموارد، لكن الأمر أعمق من ذلك. فحتى عملية الإعادة نفسها يمكن أن تكون مجرد اعتراف شكلي دون مواجهة حقيقية للتاريخ. كما أن البنى الداخلية للمتحف ومن يموله يثيران إشكاليات أعمق؛ ففي لندن، ترعى شركات نفطية كبرى بعض المتاحف، بينما تسبب شركات النفط نفسها كوارث مناخية تجتاح بلدانًا مثل جامايكا.
وأتذكر هنا فيديو فتاة انتشر على وسائل التواصل بعد سرقة مجوهرات اللوفر في عام 2022، حيث استولى أربعة رجال على مجوهرات التاج الفرنسي في عملية سطو استغرقت عشر دقائق فقط. قالت فيما معناه : “نهب اللوفر ليس جريمة. طالما أن الاستعمار لم يُعتبر جريمة ضد الإنسانية، لن أعتبر نهب متحف مليء بالقطع المسروقة من الجنوب العالمي جريمة”. كثيرون انتقدوها، لكنها كشفت عن فكرة مهمة: عندما تبرر مؤسسات كبرى نهبها لقرون بحجج “الحماية” و”الفن” و”التراث المشترك”، فإنها تخلق شرخًا أخلاقيًا. فمن غير المقبول أن نطالب فردًا بعدم السرقة بينما نبرر سرقة مؤسسات بأكملها. وهذا بالضبط ما تفعله هذه السرديات، تخلق استثناءً دائمًا للمؤسسات الغربية من القواعد الأخلاقية التي نطالب بها الأفراد.
تبرز هنا سردية أخرى و هي المتحف البريطاني يمتلك الخبرة والإمكانات، والقطع آمنة فيه، ولو أعيدت إلى بلدانها الأصلية لأهملت أو سرقت أو دمرت. لكن التاريخ يسجل العكس. في ثلاثينيات القرن العشرين، قرر القيمون أن المنحوتات قد اتسخت بتلوث لندن الصناعي. استشاروا العالم مايكل فاراداي، فأوصى باستخدام أحماض كاوية وفرش سلكية لتنظيفها. أحماض وفرش حديد على رخام عمره 1500 عام. اللورد دويفين، متبرع قاعة العرض الجديدة، أراد رخاماً أبيض نقيًا يليق بمتحفه، فدفع لعمال لكشط السطح الخارجي. أزالوا ما يصل إلى 2.5 ملم من السطح الأصلي، ومعه تفاصيل لا تقدر بثمن. وفي عام 1961، سقط تمثال صغير من قاعدته حين اصطدم به ولدان في رحلة مدرسية، فانكسرت ساق التمثال. لا يزال الغراء الذي أصلحها ظاهراً حتى اليوم.
في النهاية، إعادة القطع وحدها لن تمحو جراح الاستعمار. لو عاد حجر رشيد اليوم، وبرونزيات بنين، ومنحوتات البارثينون، فإن قرونًا من النهب والاستغلال والتدمير النفسي لا تزول بين ليلة وضحاها. لكن كما يقول الباحث المصري قطب أحمد، “إعادة القطع ستصلح السردية”. ستصلح الرواية. ستعترف لأول مرة، وبشكل علني، أن ما حدث كان خطأ. وأن الشعوب المستعمرة كانت ضحية، وليست مجرد شواهد تُعرض في علب زجاجية. المطلوب ليس فقط إعادة الحجر إلى مكانه الجغرافي، بل إعادة الاعتراف بأن الحضارات لا تُسرق، وأن التاريخ لا يُكتب من طرف واحد.






المقال جميلة وللإسف استبعد حقيقة أن القطع سوف تعود لمكانها الأصلي الشعوب الغربية لازلت تؤمن بتفوقها على الشعوب الأخرى حتى في وقتنا الحالي وهذا واقع نعيشه حتى الآن الحل الذي أومن به أن على الدول المستعمر أن تستعمل طرق أخرى لضغط على الدول الأوروبية لإعادة القطع فهذا القطع انتزعت بالقوة من مواطنيها وشعبها و حضاراتها وشكر على المقال الجميل
المتاحف الغربية أشبه بحديقة الحيوان،
اليس من الأعدل ان أرى التحفة الفنيه في موطنها الأصلي واسمع قصتها من أبن هذه الأرض التي يحفظها عن ظهر غيب
أمر مثير للسخرية ان يأتي أوروبي ابيض يخبرني عن تراث مصري قديم ذو حضارة سبعة الاف عام و حضارته ماهي الا عبارة عن أرض مسروقة ويعتقد الاعتقاد الكامل بأنه يعرف القصة كاملة