غالبًا في كل مرة يُطرح فيها موضوع اضطهاد النساء، ربما بعد سماع خبر مقتل فتاة على يد أخيها، أو عند اقرار أفغانستان بمنع التعليم الجامعي عن الفتيات، يتردد أن اضطهاد النساء هو قدر بيولوجي، متأصل في عضلات الرجال وعظامهم، وأن تاريخنا الطويل لم يكن أكثر من نتيجة حتمية لتفوق جسدي. هي حجة شائعة بين بعض علماء الأحياء التطورية وعلماء النفس، وتحظى بشعبية كبيرة بين المحافظين الذين يرون في هذا الاضطهاد القائم على النوع الاجتماعي مجرد ميزة تطورية مبرمجة فينا، بوصف كل ماحدث ويحدث جزءًا من خطة الطبيعة الأم. مع الاسف هي حجة تتردد أيضًا في غرف لا يفترض بها أن تكون كذلك، في أصوات النساء.
هذا الفهم، يغرس في نفسي إحساسًا بالاحباط. فببساطة إن كان الاضطهاد متجذرًا في الطبيعة البشرية ذاتها، ماذا بوسعنا نحن بكل ما نملك من وعي وإرادة أن نصنع؟ وأي أمل يمكن أن نتمسك به أمام قدر بيولوجي لا مرد له؟ أشعر أحيانًا أننا نقف جميعًا على ضفة نهر، نرى التيار يجرف كل شيء، ويخبرنا أحدهم أن هذا هو مجرى النهر منذ الأزل، وأنه لا سبيل إلى تغييره. لكنني لا أصدق ذلك. لا أستطيع أن أصدقه. لو أن القوة العضلية وحدها هي ما تصنع السيادة كما يروج. لكان أقوى رجل في كل قرية هو ملكها، لما احتجنا إلى قوانين تحمي العروش، ولا إلى تقاليد تورث السلطة من أب إلى ابن، ولا إلى آلاف السنين من التبريرات الفلسفية والدينية التي حاصرت بها الحضارات أجساد النساء وعقولهن. لو كانت بنية الجسد الذكري هي السبب الوحيد، لكان التاريخ أشبه بغابة نمطية: الأقوى يأكل، والضعيف يُؤكل. لكننا لا نعيش في غابة، نحن نعيش في عالم من الكلمات، من القصص، من القوانين التي تُكتب وتُعاد كتابتها جيلاً بعد جيل. الجريمة لا تُرتكَب بالوسيلة فقط. لا يكفي أن يمتلك المرء سكينا؛ هناك دائما دافع، وهناك فرصة. والدافع، كما نعرف، ليس غريزة حيوانية بحتة، هو قصة يرويها الجاني لنفسه أولاً؛ قصة عن الاستحقاق، عن الحق، عن الضرورة. والفرصة هي نتاج ترتيبات اجتماعية، لحظة تاريخية معينة، ظروف هيأها أناس قبله، وقوانين رسمت حدوده.
فهل امتلك الرجال دومًا ذلك الدافع؟ لو كان الدافع غريزيًا، لكان ظهر في كل المجتمعات بالطريقة نفسها، وفي كل العصور بالتوقيت نفسه. لكننا نرى تنوعًا هائلاً في أنماط العلاقات بين الجنسين عبر التاريخ ، وهو ما سنطرحه في هذا المقال.
متى بدأ الاضطهاد حقاً؟
لا يمكن فهم أصول اضطهاد المرأة بمعزل عن غيرها، بل كجزء من تغيرات هائلة في المجتمع البشري بأكمله. من المفيد جدًا السلطة أن تشجع الناس على الاعتقاد بأن ما هو كائن الآن هو ما كان عليه دائما، وأن عدم المساواة حقيقة أبدية، وأن الأنانية أمر بيولوجي وتطوري، وأن اضطهاد المرأة موجود دائما، وأننا حكمنا دائما من قبل ملوك ودول. لكن كل هذا كذبة مريحة، لأن البشر في الواقع لم يعيشوا دائمًا في مجتمع طبقي قائم على استغلال مجموعة صغيرة لأغلبية كادحة. في الواقع، للجزء الأكبر من الثلاثمائة ألف عام التي وُجد خلالها البشر، عشنا في ظروف متكافئة نسبيًا. نعم، متكافئة. وهو ما وصفه إنجلز بـ”الشيوعية البدائية”. لم يكن هناك مفهوم للملكية الخاصة، ولم يكن هناك ملوك. في الفترة التي نسميها اليوم بالعصر الحجري القديم، لم يعثر علماء الآثار على أدلة تذكر على وجود عدم مساواة مؤسسي من أي نوع بما في ذلك اضطهاد المرأة.
مع بداية العصر الهولوسيني وهو العصر الذي شهد تطور البشرية من مجمعات الصيد الى المجتمعات الزراعية. ونهاية العصر الجليدي الأخير نبدأ في رؤية بعض الأدلة بوضوح على التفاوت في الثروة. ولكن حتى ذلك الحين، كان هذا التفاوت ضئيلًا جدًا لا نرى فروقًا طبقية، وحتى العصر البرونزي، لا نعثر على مدافن غنية ولا على أي شيء يشبه النقود. أعلم أنني أتحدث بإسهاب، لكنني أعتقد أنه من المهم أن نضع أمام أعيننا صورة ملموسة لما كان عليه هذا النوع من المجتمع.
في بريطانيا في ستار كار، وهو موقع صيد يعود تاريخه إلى حوالي 11000 عام. عاش الصيادون الجامعون أسلوب حياة بسيط، يصطادون الأسماك في البحيرة، ويطاردون الطيور والغزلان ويعيشون في مساكن مؤقتة. لم يكن أي منزل أكبر من الآخر، ولم تكن هناك ثروة تنتقل بين الأجيال. والمنزل الدائم الوحيد الموجود هو منزل دائري كبير على شكل مبنى مشترك يجتمعون فيه، يعملون معًا، يتشاركون كل شيء. على شكل مجتمعات شيوعية بدائية، المجتمع فيها يعمل معًا لبناء وتقاسم الموارد. أساس هذه المساواة بأكملها هو عدم وجود ملكية خاصة باستثناء الأدوات والمقتنيات الشخصية الصغيرة التي لا تشكل ثروة بالمعنى الذي نعرفه اليوم. ربما قرأ البعض مؤخرا عن اكتشاف مجموعة أدوات صيد في قبر امرأة شابة في جبال الأنديز، يعود تاريخه إلى حوالي 9000 عام. أدى هذا الاكتشاف إلى بحث أظهر أن النساء في الأمريكتين المبكرتين شاركن في الصيد. وهذا يدمر الفكرة التي سمعناها مرارًا بأن الرجال في كل مجتمع احتكروا القوة والعنف، وأنهم كانوا الصيادين المسلحين المهيمنين بينما حُبست النساء في المخيم. ففي الواقع، كان هناك مشاركة مشتركة في النشاط الاقتصادي، مما يشير بقوة إلى قدر من المساواة الاجتماعية الحقيقية. لم تكن النساء مستبعدات من أي نوع من النشاط أو أي مهنة. مثل الرجال، كان بإمكانهن فعل أي شيء يخطر ببالهن طالما كان ذلك يخدم مجتمعهم.
هذا لا يعني أني أنكر وجود اختلافات بيولوجية قائمة على الجنس. ولكن بدون العائلة الأحادية الزواج، وبدون السيطرة الاقتصادية للرجال على النساء، لم تكن هناك أبوية بالمعنى الذي نعرفه. لم تكن هناك تلك المفاهيم الثابتة لدور المرأة أو دور الرجل. في المجتمعات المختلفة، ربما كان للاختلافات الجسدية تأثير أكبر أو أقل اعتمادًا على الظروف الخاصة. ربما كان يتم اختيار الناس للانضمام إلى فرق الصيد بناءً على شيء عملي مثل مدى السرعة التي يمكنك الركض بها أو المسافة التي يمكنك قطعها، أو مهارة الصيد. وهذا قد يعني أن عدد الصيادين من النساء كان أقل مقارنة بالرجال بشكل عام، لكنه بالتأكيد لم يكن ليشكل عقبة لا يمكن التغلب عليها كما أصبح مع اضطهاد النساء لاحقًا. قديما عندما كان الرجال والنساء يقومون بأعمال مختلفة، كان العمل يُنظر إليه بتقدير متساوٍ. فالنساء اللواتي لم يستطعن الخروج في رحلات صيد طويلة لأنهن يعتنين بأطفالهن، لعبن دورًا مهمًا في جمع الطعام أو في المخيم . اشتمل هذا العمل المنزلي ان صح التسمية على طهو ورعاية أطفال و كذلك أيضًا صنع الأدوات، وهي بالطبع ضرورية لبقاء المجتمع بأكمله. لم تكن هناك أعمال “أدنى” وأعمال “أسمى”؛ كان كل عمل ضروريًا، و كل عمل يُقدَّر لغاية واحدة وهي البقاء و النجاة.
بدون تكهن مني، يظهر ذلك بوضوح فنون الكهوف من العصر الحجري القديم، قارن علماء الآثار حجم بصمات الأيدي في الأرض بالهياكل العظمية من نفس الفترة، ويمكننا أن نعرف أن بعض البصمات كانت لنساء. فن الكهوف يعتبر ذا أهمية روحية قصوى للمجتمعات البدائية، استغرق وقتًا طويلاً، وغالبًا ما كان الوصول إلى تلك الكهوف صعبًا للغاية. كان على تلك النسوة تخصيص الكثير من وقتهن من أجل خلق هذا الفن. وهذا ما دل على المكانة الرفيعة التي كانت تحظى بها المرأة. يمكننا أيضًا رؤية هذا في الفن نفسه. الكثير من فن العصر الحجري القديم يؤكد على الاختلافات الجسدية فجميعنا نعرف التماثيل الصغيرة للنساء. لكن لا يوجد فن يلمح إلى أن هذه الاختلافات كانت مصحوبة بأي تمييز اجتماعي. في التقاليد الفنية لتلك الفترة، كانت القاعدة أن يُرسم الأشخاص ذوو المكانة الأعلى بشكل أكبر. هناك رسوم كهفية في بهيمبيتكا بالهند يعود تاريخها إلى حوالي 8000 عام، تصور رجالًا ونساءً وكلاهما يمارس الصيد، ولا نرى أي مؤشر على اختلاف في المكانة الاجتماعية. لا ملك، ولا عبد، لا كبير، ولا صغير.
كان النسب يُتتبع من خلال خط الأم بدلاً من خط الأب. الأم تعرف دائمًا من هم أطفالها. وبما أنه لم تكن هناك طريقة لتقسيم المجتمع حسب الثروة، ولم تكن هناك مدن، فإن المجموعات الاجتماعية كانت غالبًا مقسمة حسب القرابة، وكان هذا يُحدد بشكل أمومي، وينتقل عبر خط الأم. يمكننا أن نرى آثارًا لهذا حتى في المجتمعات التي جاءت بعد ذلك بآلاف السنين. في القبائل الجرمانية مثلا كانوا مزارعين لكن مجتمعهم أقل تطورًا من الناحية الاقتصادية مقارنة للرومان، إذا أقسم الرجل يمينًا أو وعدًا بطريقة تتطلب أخذ رهينة، كان أكثر فعالية أن تأخذ ابن أخت الرجل رهينة بدلاً من ابنه الفعلي. وذلك لأن فقدان طفله كان مأساة شخصية للرجل ويمس شرفه، لكن فقدان ابن أخته كان يعتبر إهانة للعشيرة بأكملها. الجنود الرومان اندهشوا من الاحترام النسبي للمرأة الذي كان لدى الجرمان، واعتبروا ذلك دليلاً على بربريتهم. نرى آثار الاحترام حتى في العصور المظلمة، مثل قدرة النساء الفايكنجات على الطلاق، وهو حق لم يكن متاحًا حقًا للنساء في أوروبا في العصور الوسطى لاحقًا.
إذا لم تكن المرأة مضطهدة منذ الأزل، فمتى حدث ذلك التحول؟ وأين؟
قبل حوالي عشرة آلاف إلى اثني عشر ألف عام، مع ما يسميه العلماء اليوم الثورة النيوليتية. وهي الفترة التي بدأ فيها البشر، ولأول مرة، يزرعون الأرض بدلاً من أن يجوبوها بحثًا عن الطعام. ربما كلمة “ثورة” توحي بحدث عنيف وسريع، لكنها كانت أكثر هدوءًا . أشبه بقطرات ماء حفرت صخرة، هذا التحول الهادئ يعتبرأعمق تغيير عرفه البشر منذ أن وطأت أقدامهم الأرض. يجدر بي الذكر أنه في المراحل الأولى من الزراعة ما يسميه العلماء البستنة كانت النساء هن القائمات على الزراعة. منذ عصور الصيد والجمع. كانت النساء أدرى بالنباتات، أدرى مواسمها أدرى أيها صالح للأكل وأيها سام. استخدمن أدوات يدوية بسيطة وعملن بالقرب من المستوطنات في غالب الاحيان. الى أن ظهر أول تطور تقني قلب كل الموازين: المحراث، حوالي عام 5500 قبل الميلاد، فتح المحراث إمكانية زراعة مساحات أوسع بكثير مما كان ممكنًا بالأدوات اليدوية. استطاع الإنسان أن يحرث حقولًا شاسعة، وأن ينتج فائضًا لم يحلم به من قبل. لكونه أكثر كفاءة، وأسرع، وأقوى. كذلك تطلب قوة بدنية هائلة، قوة رجل يقف خلف محراث يجره ثوران، السير دون توقف تحت أشعة الشمس لساعات طويلة من توجيه الحيوانات، وضغط على المحراث ليخترق الأرض، ذلك ما تطلب التفرغ التام، لا مجال لرعاية طفل يبكي، أو للعودة إلى الخيمة لإرضاع رضيع. كان يتطلب البقاء بعيدًا عن المستوطنات، في الحقول طوال اليوم. كنتيجة طبيعية اصبحت الزراعة حكرا على الرجال، والنساء بقين في المستوطنات، يطحن الحبوب، ويعتنين بالأطفال، ويخبزن الخبز.
لأول مرة أصبح البشر قادرين على إنتاج فائض منتظم من الغذاء.
لم يعد الصيد مقتصرا على ما يأكلونه في يومهم. لم يكن هناك طعام إضافي يمكن تخزينه لأسابيع أو شهور. اللحم يفسد سريعًا، والثمار تذبل، والمجموعات البشرية متنقلة ولا تحمل معها أكثر مما تحتاج. كان الإنسان يعيش في حالة من التوازن مع الطبيعة بحيث يأخذ ما يكفيه للحظة، ثم يمضي. هذا النمط من العيش لم يكن ليسمح بظهور فكرة الملكية بالمعنى الذي نعرفه. الأرض لم تكن ملكًا لأحد لأنها كانت للجميع، لأول مرة، أصبح الإنسان ينظر إلى ما حوله ويرى أن لديه شيئًا يمكنه الاحتفاظ به، شيئًا يمكنه المطالبة به، شيئًا يمكنه توريثه. لأول مرة، أصبح الإنسان يملك أكثر مما يحتاج. وهو ما كان بداية فكرة “لي” مقابل “لك”. الان وقد أصبح لديه جرة قمح لا يحتاجها اليوم، بدأ في التساؤل في من له الحق الجرة؟ الاكيد انها لم تعد ملكا للقبيلة كلها كما كان الحال دائمًا هي ملك لزارعها وجامعها.
فيما تم حتميا اقصاء النساء كليا من الانتاج الاقتصادي ذي القيمة الفعلية، واصبح دورها مقتصرا على طحن الحبوب ووالاعتناء بالأطفال ولو كان هذا العمل ضروريًا لاستمرار الحياة، ولو كان هو الذي يحول القمح إلى خبز والماشية إلى غذاء صار عملًا لا يُحتسب في الاقتصاد الجديد. لكن مع ازدياد الحروب، أصبحت قدرة المرأة على الإنجاب قيمة اقتصادية كبرى. أطفال اكثر يعني يدا عاملة اوفر وانتاج اكثر. قتل الرجال المهزومين وأسرت النساء لهذا الغرض. أصبحت المرأة أول عبد في التاريخ. قبل أن يُستعبد الرجال، استُعبدت النساء.
ربما من اهم التحولات التي خذلت المرأة كان الغاء نظام خط الأم واستبداله بنظام خط الأب، حيث يُحتسب النسب من الرجل وليس من المرأة. وصف فريدريك إنجلز هذا التحول بأنه الهزيمة التاريخية الكبرى للجنس الأنثوي فيما بدا مشروعا للرجال اصحاب السلطة ومنتجي الثروة الذين أرادوا توريث هذه الثروة لأبنائهم ليس لأبناء أخواتهم، كما كان الحال لعقود. وليتأكد الأب أن الطفل الذي ترعاه زوجته هو طفله بيولوجيًا، كان لا بد من فرض العائلة الأحادية الزواج على النساء تحديدًا. كان لا بد من مراقبة المرأة وتقييد حركتها، وجعلها ملكًا حصريًا لزوج واحد.
المأسسة الأيديولوجية والسياسية
استمرت السيطرة بشكل عرفي لعقود طويلة، من خلال التقاليد والأعراف المتوارثة. لكن مع تراكم الثروات وتضخم المجتمعات، ومع تعقيد العلاقات الاقتصادية والاجتماعية، ظهرت الحاجة إلى شكل أعلى من التنظيم. بدأت المجتمعات تنتقل من القرى الزراعية الصغيرة إلى المدن أصبحت الحاجة إلى تثبيت هذه السيطرة في قوانين مكتوبة اهم من أي وقت مضى كون الأعراف وحدها لا تكفي في مجتمع معقد.
حوالي الألفية الرابعة قبل الميلاد، ظهرت أولى الدول المركزية، وتأسست المؤسسات الحكومية الجيش، القضاء، الإدارة. العائلة الأبوية هي الوحدة الأساسية لبناء المجتمع، والرجل هو الرأس القانوني والسياسي لكل أسرة. لم تعد المرأة شخصاً مستقلاً في نظر القانون؛ أصبحت تابعة، أولاً للأب ثم للزوج.
بدأت مأسسة كاملة للاضطهاد، حيث تحولت القوة البدنية والعرفية إلى نصوص قانونية ملزمة، تحميها الدولة وتنفذها بكل قسوة فيما بدا منطقياً جدا في إطار النظام الجديد.
في القوانين الآشورية الوسطى (حوالي 1400-1000 قبل الميلاد)، وجدت نصوص قانونية تمنح الزوج الحق المطلق في معاقبة زوجته جسدياً. يحق له أن يضرب زوجته، ويسحب شعرها، ويمزق أذنيها، ولا ذنب عليه أما العقوبات الجسدية الكبرى مثل قطع الأنف أو الثدي اعتبرت اختصاص الدولة نفسها.
في عهد الملك أوروكاجينا، حوالي عام 2000 قبل الميلاد، إذا تحدثت امرأة بقلة احترام للرجل، تُكسر أفواهها بآجرة محروقة وفي حال ما أسقطت امرأة جنينها عمداً، تُخزق ولا تُدفن فيما كانت عقوبة الإعدام بالخازوق في الثقافة القانونية القديمة تُخصص غالباً للخونة وأعداء الدولة. بينما امتلك الأب الحق في التخلص من الرضع غير المرغوب فيهم (وأطفال العبيد خاصة).
يمكننا ان نرى بوضوح أن القسوة تجاه المرأة التي تجهض كانت سياسية، بحتة لم تكن نابعة من اعتبارات أخلاقية تتعلق بحق الجنين في الحياة. المرأة التي تجهض نفسها كانت تعتدي على حق الأب في تحديد مصير نسله، وتتحدى سلطة الملك في التحكم في السكان والقوة العاملة. لذلك عوملت كخائنة، ونُفذت فيها أقسى عقوبة.
عزلت النساء داخل المنازل وفرضت قيود على حركتهن ولباسهن. في آشور، على سبيل المثال، كانت هناك قوانين صارمة تحدد متى وأين يمكن للمرأة أن تظهر في الأماكن العامة، وفرضت أنواعاً مختلفة من الحجاب تميز بين المرأة الحرة والأمة.
تم استبعاد النساء تماماً من التعليم النظامي. في كل الحضارات القديمة سومر، بابل، آشور، مصر، اليونان، روما. كانت المدارس حكراً على الذكور من الطبقات العليا. النساء، حتى من الطبقة الحاكمة، حرمّن من تعلم القراءة والكتابة على المستوى الرسمي. الإقصاء المعرفي كان ربما أكثر فعالية من أي قانون عنيف، لأنه جعل اضطهاد المرأة يبدو طبيعياً في غياب أي صوت نسائي يمكن أن يروي القصة من منظور مختلف. لم يكن للنساء القدرة على كتابة تاريخهن، أو صياغة القوانين التي تضطهدهن، أو حتى توثيق معاناتهن. كانت تُحكم بكلمات لا تشارك في كتابتها، وتُروى عنها قصص لا تشارك في سردها. مع تعقيد الحياة الحضرية ونشوء التخصصات المهنية، تم استبعاد النساء من الوظائف والمهن العامة التي بدأت تظهر القضاء، الإدارة، الكهنوت الرسمي، القيادة العسكرية كلها أصبحت حكراً على الرجال. التبعية الاقتصادية كنتيجة حتمية لهذا النظام جعل المرأة تعتمد كلياً على الرجل في معيشتها، مما عزز سلطته عليها وزاد من صعوبة تحررها.
اضطهاد الدين للنساء
غالبًا ما كان الدين انعكاسًا للمجتمع الذي جاء منه، لا محركًا مستقلاً للتحولات الاجتماعية، عكس التحولات المادية والاقتصادية العميقة التي شهدتها المجتمعات البشرية مع نشوء الملكية الخاصة والدولة. في مراحل مبكرة من التاريخ، تجلت المعتقدات الدينية في صورة تبجيل للأنوثة والخصوبة، احتلت الإلاهة الأم موقعًا مقدسا في الميثولوجيا والطقوس، تعبيرًا عن دور المرأة في الإنجاب والولادة والقدرة على خلق الحياة، وهي قدرة كانت تُقدس بوصفها سرًا كونيًا لا يُجارى.
لكن مع تركز الثروة في أيدي الرجال، والانتقال إلى أنظمة الوراثة الأبوية، بدأت الصورة الدينية تنقلب تدريجيًا. فلم تعد الإلاهات المؤنثة تحتل القمة في هرم الآلهة، وأُخضعت لآلهة ذكور متسلطة، أعيدت صياغة أساطير الخلق ذاتها لتتوافق مع المنظومة الأبوية الجديدة؛ فبينما كان الخلق يُنظر إليه في الأساطير المبكرة كعملية أنثوية محضة أشبه بالولادة، أصبحت النصوص اللاحقة، تكرس فكرة أن الرجل هو الأصل الأول، وأن المرأة جاءت منه ككائن ثانوي ومستمد، كما تجلى في السردية التكوينية التي جعلت المرأة تخرج لتكون عونًا له أو تابعًا لأمره. وهذا التحول في البنية الدينية لعب دورًا مهما في شرعنة النظام الاجتماعي الجديد. بدأت النصوص الدينية والأخلاقية السائدة تصور المرأة بطبيعتها كائنًا ضعيفًا، ناقصًا، مسببًا للشر والفتنة، أو منحرفًا جنسيًا يحتاج إلى ضبط مستمر، وبذلك قُدِّمت سيطرة الرجل على المرأة كضرورة أخلاقية وإلهية، مقنعة حتى للنساء. قُدِّمت حماية الرجل ودعمه الاقتصادي للمرأة مقابل خضوعها الكامل وخدمتها المنزلية والجنسية، وهو ما بدا وكأنه خيار عقلاني في سياق تجريد النساء من أي قوة سياسية أو اقتصادية مستقلة، وحصرهن في نطاق الأسرة تحت وصاية الأب أو الزوج.
استُخدم الدين أيضًا كغطاء أيديولوجي لتبرير التحول الاقتصادي الجوهري المتمثل في تحويل الممتلكات المشاعية إلى ملكية خاصة تحت سيطرة الرجال. فبدلاً من تقديم اللامساواة الطبقية والجنسية كنتيجة لظروف مادية تاريخية قابلة للتغيير، روجت الأيديولوجيا الدينية لعقود فكرة أن هذه اللامساواة جزء من نظام كوني أزلي أراده الخالق، فتم انتزاع السلطة الروحية والمعرفية من النساء بالتوازي مع انتزاع سلطتهن الاقتصادية.
الدين، في مساره التاريخي، لم يكن سببًا أوليًا للهيمنة الذكورية، الدين صاغ الهيمنة الموجودة في شكل مقدس، وجعلها تبدو وكأنها النظام الطبيعي الأوحد، مما ساهم في استمرارها عبر العصور واستقرارها في بنية المجتمعات حتى باتت تبدو وكأنها جزء من الفطرة لا من التاريخ.
الرأسمالية
الرأسمالية لم تبتكراضطهاد المرأة، لكنها ورثته عن الأنظمة الطبقية السابقة كالعبودية والإقطاع، وأعادت صياغته ليخدم احتياجات الإنتاج الرأسمالي، فظهر ما يُعرف بالعبء المزدوج الذي يعني أن المرأة خرجت للعمل المأجور جنبًا إلى جنب مع الرجل دون أن تتحرر من مسؤولياتها التقليدية داخل المنزل، فأصبحت تتحمل وظيفتين في وقت واحد: العمل خارج المنزل لضمان البقاء الاقتصادي، والقيام بجميع أعمال الرعاية المنزلية غير المدفوعة، وهو ما يضيف ما بين 3 إلى 5 ساعات عمل إضافية يوميًا فوق يومها الرسمي. بنظرة تحليلية ماركسية الرأسمالية تعتمد بشكل أساسي على هذا العمل المنزلي غير المدفوع لإعادة إنتاج قوة العمل، فالمرأة هي التي تطعم وتكسو وتراعي العمال الحاليين وتربي جيلًا جديدًا من العمال مجانًا، مما يوفر على الرأسماليين تكاليف هائلة كان سيتعين عليهم دفعها لو تحولت هذه الخدمات إلى مسؤولية اجتماعية عامة.
إذا قارنا بين الماضي والحاضر نجد أن العمل المنزلي في المجتمعات القديمة كان يُعتبر خدمة عامة للقبيلة، لكن الرأسمالية حولته إلى خدمة خاصة وضيعة داخل الأسرة، حيث أصبحت الزوجة معزولة في منزلها مرتهنة اقتصاديًا. ومع أن الرأسمالية تروج لفكرة عقد العمل الحر والزواج القائم على الحب، إلا أن الواقع المادي يفرض قيودًا مغايرة، فكما يضطر العامل لقبول الاستغلال خوفًا من الجوع، ظلت الكثير من النساء محاصرات اقتصادياً في علاقات استغلالية أو مسيئة لأنه لا يملكن القدرة المالية المستقلة للرحيل، بل إن الرأسمالية استغلت النساء كعمالة أرخص من الرجال لزيادة الأرباح، لسنين طويلة، مما أدى إلى منافسة داخل الطبقة العاملة وتفتيت وحدتها على أسس جنسية. في أزمة كورونا مثلا، كانت الأمهات أكثر عرضة بمقدار 1.5 مرة لفقدان وظائفهن مقارنة بالآباء، وتحملن العبء الأكبر من التعليم المنزلي والرعاية الصحية أثناء الإغلاق، مما ضاعف العبء المزدوج ليصل إلى مستويات غير مسبوقة وعاد بعقارب الساعة إلى الوراء فيما يخص مكاسب النساء.
الإصلاحات القانونية كالمساواة في الأجور وحق الطلاق تظل قشرة رقيقة طالما لم تُغيَّر الظروف المادية الجذرية، من منظور ماركسي، الحل الوحيد لإلغاء العبء المزدوج هو تحويل العمل المنزلي إلى مسؤولية اجتماعية عامة عبر دور الحضانة والمطاعم العامة الممولة من الدولة، والانتقال إلى مجتمع اشتراكي تُلغى فيه الملكية الخاصة وتُرفع فكرة المرأة كملكية خاصة، لأن التحرر الحقيقي للمرأة لا يكتمل إلا بإعادة بناء العلاقات الاجتماعية على أسس جماعية تضمن أن الرعاية والاستنساخ ليسا مسؤولية فردية تتحملها المرأة وحدها، بل مسؤولية المجتمع بأسره.
ختاما
ربما كان الخطأ الأكبر في كتابة تاريخ النساء هو محاولة نسقه كسرد بطولي متصل، بينما هو في الحقيقة أشبه بكتاب قُطعت معظم صفحاته، ولم يبقَ منه غير هوامش كتبها آخرون. فالمرأة في الرواية التاريخية الكبرى ليست بطلة، ولا حتى خصماً، بل هي المساحة الذي يحدث فيها كل شيء ولا يُكتب عنها شيء. بُنِيَت المدنُ على أجساد النساء. ولم تكن مأساتها أنها عانت، بل أنها عانت في صمت لا يليق بتراجيديات الرجال. مئات السنين مرت، ولم تتعلم البشرية بعد كيف تروي قصة نصفها دون أن تحوله إلى أسطورة أو إحصاء.
ولأن هذا المقال، رغم تفصيله، لا يعدو أن يكون مدخلاً، فإني أعلم أن تاريخ النساء الحقيقي لا يُروى كسرد متصل. لقد مشينا على حافة الجرح طوال هذه المقالة، محاولين أن نضيء ما يمكن إضاءته دون أن ننسى أن الكثير يبقى في الظل، حيث التاريخ الأعزل.وسيكون لي مع حركات التحرير النساء وقفة أخرى، سنحاول هناك أن نفهم كيف تحولت النساء من موضوع في التاريخ إلى ذات تكتب تاريخها. لكن ذلك حديث آخر.
شكرًا لمن وصل إلى هنا.
المصادر
Bradshaw Foundation - Women Hunters in Indian Rock Art
Scientific American - The Theory That Men Evolved to Hunt and Women Evolved to Gather Is Wrong
Marxists Internet Archive - Sexuality in pre-class society by Colin Wilson
World History Encyclopedia - "Women in Ancient Mesopotamia
Shakespeare, Cultural Materialism, Feminism and Marxist Humanism








جزء عقاب المرأة
الجزء ده بيبين بالظبط إزاي الست فقدت سيطرتها على جسمها وبقت "ملك لغيرها". القوانين اللي كانت بتعاقب على الإجهاض بالخازوق (دي عقوبة الخيانة العظمى) بتكشف إن الجنين وقتها مكنش له قيمة أخلاقية أو حق في الحياة زي ما بيتقال دلوقتى، لأ الموضوع كان إن الجنين ده مجرد "ثروة بشرية" أو "حته من ممتلكات" الراجل والدولة.
عشان هما بيعتبروا جسمها 'مصنع' للدولة وللراجل، وممنوع تقفله بمزاجها.
جزء الرأسمالية
الطرح فيه نقاط مهمة فعلا، خصوصًا فكرة العبء المزدوج وتأثير الأزمات على النساء، ودي حاجات واقعية. لكن اختزال المشكلة كلها في الرأسمالية، وطرح حلول جذرية زي إلغاء الملكية الخاصة، بيخلّي الكلام أقرب لرؤية أيديولوجية منه لتحليل شامل. الواقع أعقد من كده، وفيه عوامل ثقافية واجتماعية بتلعب دور كبير. الحل مش في نقل العبء من فرد لنظام، لكن في إعادة توزيع المسؤوليات بشكل عادل يراعي الواقع، مش يتجاهله.
اولاً تحية لصاحب هذا المقال الباذخ معرفياً ولغوياً ، لقد قدمتِ تشريحاً مادياً وتاريخياً متماسكاً يعيد الاعتبار للوعي البشري .
ولكن ، يتكئ النص بقوة على فرضية "الشيوعية البدائية" لإنجلز. ورغم جاذبيتها، إلا أن هناك أبحاث اخرى تشير إلى أن المجتمعات البدائية كانت أكثر تعقيداً؛ فوجود المساواة المادية لم يمنع بالضرورة وجود "تراتبيات سلطوية" أو سيكولوجية سيطرة لم تكن مرتبطة بالملكية بعد، بل بالكاريزما أو الطقوس. فهل الاضطهاد نتاج المحراث فقط، أم أن المحراث كان مجرد (أداة) لغريزة سلطوية كانت تبحث عن وسيلة للتموضع؟
- أما بالنسبة للنقطة الثانية فأعتقد بأن المقال كان تركيزه الكلي على الحانب المادي والاقتصادي وأعتقد بأنه كان هناك عوامل نفسية اخرى تطورية وعميقة تتعلق بظروف كل حقبة ، فهي لم تكن محرد مؤامرة بل كانت استجابة لظروف بيئية قاسية .
-وبالنسبة للنقطة الثالثة فالنص تبنى حل المجتمع الاشتراكي بتحويل العمل المنزلي بمسؤولية عامة ، واعتقد أن هناك دول قد طبقت هذا الطرح كالاتحاد السوفييتي سابقاً ، فهل توقف الاضطهاد بل في الواقع ظلت سائدة في الدول الاشتراكية التي الغت الملكية الخاصة
- وفي الختام فالنص يصور النساء كمساحات يبنى عليها ، وهو منافي للواقع حديثاً وقديماً فيمكنني ذكر أمثلة لا حصر لها من التاريخ القديم والحديث عن دور المرأة في الظل او في العلن واللذي ينفي جعل المرأة او تاريخ المرأة ك سردية ضحية بل هو تاريخ مقاومة وصمود وليس مجرد تاريخ اضطهاد