حين يسلب الإنسان حقه في الخطأ، أشعر أنه يسلب معه حقه في أن يكون إنساناً حقاً. “بيلي” الذي رسمته وولف لم تقنعني قداسته، رأيت فيه “آلة” مبرمجة على حساب المنفعة وحدها، كائناً خالياً من القلق ومن الدهشة، مسطّحاً بلا ظل ولا عمق. وكلما أعدت التفكير في شخصيته، ازددت يقيناً أن القداسة الأخلاقية المطلقة، بهذا المعنى، ليست فضيلة بقدر ما هي ضرب من الموت السريري للروح. فالفن والأدب والفلسفة، وحتى تلك النكتة اللاذعة التي أضحك بها من مرارتي، كلها ثمار “نقصنا” نحن. نبدع لأننا نتألم، ونتألم لأننا ناقصون لا كاملين، وأنا أول من يشهد على ذلك في نفسي.
والمفارقة القاسية التي لا تكف عن مطاردتي في مجتمعاتنا اليوم، كما أشرتِ بدقة، أن الأخلاق انقلبت من “بوصلة داخلية” إلى “مقصلة اجتماعية”. لقد رأيت بأم عيني كيف استبدلنا القديس الديني بـ”قديس رقمي” أو “اجتماعي”، يرتدي ثوب الفضيلة المطلقة على منابر العلن، بينما يمارس في الخفاء أبشع أشكال الإقصاء والجلد للآخرين، ليغسل به عاره الشخصي. إنها سيكولوجيا “الإسقاط” في أوج تجلّياتها: كلما اشتد رعبنا من عيوبنا الداخلية، اشتدت شراستنا في ملاحقة عثرات جيراننا
نحن - كأمةٍ إسلامية - لا نستمد أخلاقنا من أهواء الناس، ولا من الثقافة السائدة، ولا من تغير الأزمنة، بل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ. فالأخلاق في الإسلام ليست محاولةً للظهور بمظهر الإنسان الكامل، وإنما هي ميزانٌ يضبط ما نفعله وما نجتنبه.
لم يخلقنا الله ملائكةً لا يخطئون، ولم يطالبنا بأن نكون بلا مشاعر أو بلا ضعف، وإنما خلقنا بشرًا، نغضب ونحزن ونفرح ونخطئ، ثم أمرنا أن نضبط هذه المشاعر بالحق. ولذلك لم ينهنا عن الغضب مطلقًا، وإنما نهانا عن الظلم بسببه، ولم ينهنا عن الحزن، وإنما نهانا عن اليأس والقنوط، ولم يمنع استعمال الحكمة والكيد في موضعه، وإنما حرم المكر والخداع بالباطل.
فالكذب ليس خطأً لأن المجتمع يرفضه، بل لأن الله قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾
والصدق ليس فضيلةً اجتماعية فحسب، بل عبادة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾
والسخرية ليست مجرد قلة ذوق، بل نهى الله عنها بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ...﴾
والذم والغيبة والطعن في الناس ليست حرية رأي، بل قال سبحانه: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾
أما الغضب، فلم يحرمه الله لذاته، بل مدح من يملكون أنفسهم عنده، فقال: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾
والحزن أيضًا لم يُذم، فقد قال يعقوب عليه السلام: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾
وحتى الكيد قد يكون مشروعًا إذا كان لإظهار الحق أو دفع الظلم، كما قال تعالى عن يوسف عليه السلام: ﴿كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾
الإسلام لا يطلب إنسانًا لا يخطئ، وإنما يطلب إنسانًا إذا أخطأ رجع، وإذا غضب عدل، وإذا حزن صبر، وإذا أذنب استغفر، وإذا تكلم صدق، وإذا تعامل مع الناس أحسن إليهم. هذه هي الأخلاق التي جاء بها القرآن: ليست قداسةً مصطنعة، وإنما عبوديةٌ لله، وتزكيةٌ للنفس، وإصلاحٌ للمجتمع.
لاول مره اقرا مقال رائع بهذا الشكل منذ فترة شكرا لمجهودك الرائع استمري 💓💓
🥰🥰❤️ شكرا
لسنا ملائكة ولا شياطين. في داخل كل إنسان قدر من الأنانية، لأنها تساعده على البقاء وحماية نفسه، وقدر من التعاطف يدفعه إلى الاهتمام بالآخرين.
هل نحن أنانيون؟ بل : إلى أي حد نسمح لأنانيتنا بأن تتحكم في قراراتنا حين يغيب الرقيب، ولا يبقى سوى ضميرنا؟
حين يسلب الإنسان حقه في الخطأ، أشعر أنه يسلب معه حقه في أن يكون إنساناً حقاً. “بيلي” الذي رسمته وولف لم تقنعني قداسته، رأيت فيه “آلة” مبرمجة على حساب المنفعة وحدها، كائناً خالياً من القلق ومن الدهشة، مسطّحاً بلا ظل ولا عمق. وكلما أعدت التفكير في شخصيته، ازددت يقيناً أن القداسة الأخلاقية المطلقة، بهذا المعنى، ليست فضيلة بقدر ما هي ضرب من الموت السريري للروح. فالفن والأدب والفلسفة، وحتى تلك النكتة اللاذعة التي أضحك بها من مرارتي، كلها ثمار “نقصنا” نحن. نبدع لأننا نتألم، ونتألم لأننا ناقصون لا كاملين، وأنا أول من يشهد على ذلك في نفسي.
والمفارقة القاسية التي لا تكف عن مطاردتي في مجتمعاتنا اليوم، كما أشرتِ بدقة، أن الأخلاق انقلبت من “بوصلة داخلية” إلى “مقصلة اجتماعية”. لقد رأيت بأم عيني كيف استبدلنا القديس الديني بـ”قديس رقمي” أو “اجتماعي”، يرتدي ثوب الفضيلة المطلقة على منابر العلن، بينما يمارس في الخفاء أبشع أشكال الإقصاء والجلد للآخرين، ليغسل به عاره الشخصي. إنها سيكولوجيا “الإسقاط” في أوج تجلّياتها: كلما اشتد رعبنا من عيوبنا الداخلية، اشتدت شراستنا في ملاحقة عثرات جيراننا
نحن - كأمةٍ إسلامية - لا نستمد أخلاقنا من أهواء الناس، ولا من الثقافة السائدة، ولا من تغير الأزمنة، بل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ. فالأخلاق في الإسلام ليست محاولةً للظهور بمظهر الإنسان الكامل، وإنما هي ميزانٌ يضبط ما نفعله وما نجتنبه.
لم يخلقنا الله ملائكةً لا يخطئون، ولم يطالبنا بأن نكون بلا مشاعر أو بلا ضعف، وإنما خلقنا بشرًا، نغضب ونحزن ونفرح ونخطئ، ثم أمرنا أن نضبط هذه المشاعر بالحق. ولذلك لم ينهنا عن الغضب مطلقًا، وإنما نهانا عن الظلم بسببه، ولم ينهنا عن الحزن، وإنما نهانا عن اليأس والقنوط، ولم يمنع استعمال الحكمة والكيد في موضعه، وإنما حرم المكر والخداع بالباطل.
فالكذب ليس خطأً لأن المجتمع يرفضه، بل لأن الله قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾
والصدق ليس فضيلةً اجتماعية فحسب، بل عبادة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾
والسخرية ليست مجرد قلة ذوق، بل نهى الله عنها بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ...﴾
والذم والغيبة والطعن في الناس ليست حرية رأي، بل قال سبحانه: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾
أما الغضب، فلم يحرمه الله لذاته، بل مدح من يملكون أنفسهم عنده، فقال: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾
والحزن أيضًا لم يُذم، فقد قال يعقوب عليه السلام: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾
وحتى الكيد قد يكون مشروعًا إذا كان لإظهار الحق أو دفع الظلم، كما قال تعالى عن يوسف عليه السلام: ﴿كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾
الإسلام لا يطلب إنسانًا لا يخطئ، وإنما يطلب إنسانًا إذا أخطأ رجع، وإذا غضب عدل، وإذا حزن صبر، وإذا أذنب استغفر، وإذا تكلم صدق، وإذا تعامل مع الناس أحسن إليهم. هذه هي الأخلاق التي جاء بها القرآن: ليست قداسةً مصطنعة، وإنما عبوديةٌ لله، وتزكيةٌ للنفس، وإصلاحٌ للمجتمع.
انت مبدعة !!
The silence of God can deepen attention.
اتفق معك