قرأت اقتباسا أمس. بطريقة ما، استوقفني.
اقتباس للفيلسوفة الأخلاقية الأمريكية سوزان وولف. قالت فيه: “لا أعرف ما إذا كان هناك قديسون أخلاقيون على الإطلاق. لكن إن كانوا موجودين، فأنا سعيدة لأنني، وأولئك الذين أهتم لأمرهم، لسنا منهم”.
وقفتُ. نظرت إلى الجملة مرتين، ثلاث مرات. الفلسفة الأخلاقية، في ذهني، كانت دائماً عن المثالية، عن السعي نحو الأفضل، عن أن نكون أكثر مما نحن. لكنها تقول العكس. تقول إن عدم كوننا قديسين يستحق السعادة. وهذا، بطريقة ما، حرّر شيئاً في صدري.
بحثت عن أطروحتها. نشرتها سنة 1982 في مجلة الفلسفة. كانت بعنوان "القديسون الأخلاقيون". وفيها، عرّفت القديس الأخلاقي بأنه الشخص الذي يكون أخلاقياً بقدر ما يمكن. وتساءلت: هل هذه الحياة هكذا تستحق أن نعيشها؟ هل نريد حقاً أن نكون هكذا؟
أخذت وولف مثالاً سمّته بيلي. بيلي، بالمعايير الأخلاقية، كامل بقدر ما يمكن لأي إنسان أن يكون. يرى وجوده كله خاضعاً لقواعد الأخلاق، ويعيش وفقاً لذلك. لا يكذب. لا يتجاوز السرعة المحددة. لا يمشي على العشب إذا كانت اللافتة تمنع ذلك. لا ينفق المال على ترفيه تافه كالأفلام أو المتاحف. هوايته الوحيدة هي جمع التبرعات للمنظمات غير الربحية. فرحته الوحيدة هي من خلال مساعدة الآخرين. قائمة استماعه، لو استطاع تبرير امتلاك مثل هذا الرفاهية، كانت ستحتوي فقط على موسيقى ذات رسائل إيجابية.
بيلي، باختصار، هو قديس أخلاقي.
وتسأل وولف: هل ترغب في أن تكون مثله؟ أو، بشكل أقل دراماتيكية، هل ترغب في قضاء أمسية معه؟
أنا، وأنا أفكر في هذا السؤال، أجد نفسي أهز رأسي. لا. لا أرغب.
تتابع وولف: هناك أشياء جيدة تُحرم من القديس الأخلاقي، إما بشكل مباشر أو غير مباشر. بعض هذه الأشياء ليست شريرة بالطبع، لا قتل ولا تزوير، بل أشياء أكثر دقة. الفكاهة الساخرة، مثلاً. فالاستمتاع بسخرية برنامجٍ ما، يتطلب أن تتبنى نظرة ساخرة، متشائمة أحياناً، للعالم. وهذه النظرة ليست أخلاقية تماماً. لكنها، بطريقة ما، صحيّة. ضرورية. تذكّرنا بأن الحياة ليست بهذه الجدية.
بيلي لا يستطيع أن يستمتع بهذا. لأنه لا يستطيع أن يتبنى، ولو مؤقتاً، نظرة غير أخلاقية للعالم.
الصيد. مشاهدة الرياضة. قراءة الروايات. صنع الفن. العمل على السيارات. ركوب الدراجات النارية. النجارة. مشاهدة الأفلام. تعلّم الطبخ. القائمة لا نهائية. وبيلي لن يتمكن أبداً من اختيار أيّ منها، ولن يشارك فيها أبداً.
لماذا؟ لسببين، كما تقول وولف.
أولاً: لأنه لا يستطيع تبرير فعل أي من هذه الأشياء، فسيكون هناك دائماً ما هو أفضل أخلاقياً. إذا كان لديه مساء حر، فمن الأفضل أخلاقياً أن يقدّم حساءً في مطبخ خيري بدلاً من أن يتعلم الطبخ. ومن الأفضل أن يتبرع بماله للجمعيات الخيرية بدلاً من أن ينفقه على حفلة موسيقية مع أصدقائه.
قد يقول قائل: لكن حياة القديسين الأخلاقيين قد تكون طيبة.ربما جزء من الحياة الطيبة هو تجاوز هذه الملذات غير الأخلاقية من أجل الأخلاق. هذا ممكن منطقياً، لكنه ليس ما نعتقده فعلاً. كل ما علينا فعله هو أن نعدّ قائمة بأمثلة نا في الحياة: الأشخاص الذين نرى أنهم يعيشون حياة طيبة، ونرغب في تقليدهم.
قائمتي أنا؟ ربما تتضمن شخصيات لا أعرفها شخصياً، لكني أرى فيهم شيئاً. فنانين، كتاب، مفكرين. وقائمة وولف، كما تقول، لن تتكون فقط من قديسين أخلاقيين. ستتكونمن أناس لهم قيمتهم بطرق أخلاقية وغير أخلاقية. إرنست همنغواي كان كاتباً عظيماً. روي جونز جونيور كان ملاكماً عظيماً. ألبرت شفايتزر كان طبيباً وفيلسوفاً. كلهم ذوو قيمة، لكن بطرق مختلفة. وبعض هذه الطرق ليس لها علاقة بالأخلاق.
هذا يقود وولف إلى استنتاجها بان أي نظام أخلاقي يدعو إلى القديس الأخلاقي كمثال أعلى هو نظام معيب. لأن القديس الأخلاقي، في سعيه للكمال، يفوت الحياة. وكلا النظامين الأخلاقيين الرئيسيين في الفلسفة الحديثة - النفعية والكانطية - يرتكبان هذا الخطأ.
النفعية تقول: تصرّف دائماً لتحقيق أكبر سعادة لأكبر عدد. والعالم الأكثر سعادة، كما تشير وولف، لا يتحقق بقراءة الكتب، أو صنع الفن، أو الذهاب إلى المدرسة، أو تعلّم إصلاح المحركات. النفعي المثالي يجب أن يتخلى عن هذه الملذات ليرعى المرضى والفقراء والمشردين. فهذه هي الأنشطة التي تساهم أكثر في سعادة العالم، لذا فهي الأنشطة الوحيدة التي ينبغي أن يهتم بها. النفعي المثالي، إذن، يشبه بيلي. يصير قديساً أخلاقياً. وبالتالي، النفعية غير كافية كنظرية أخلاقية، لأنها تأمرنا بأن نصبح نموذجاً من البشر لا يعيش الحياة الطيبة فعلياً.
أما الكانطية، فتنادي بأداء الواجب من خلال التصرف وفقاً للأمر المطلق، الذي يتلخص في معاملة الناس، كل الناس، كغايات لا كوسائل. والكانطي المثالي سيرى أن من واجبه رعاية المرضى والفقراء والمشردين. وهذا الواجب سيكون له الأولوية بوضوح على النجارة، أو مشاهدة الأفلام، أو غير ذلك من المتع غير الأخلاقية، لأننا لا نلتزم تجاهها بأي واجب. الكانطية، إذن، تفشل كنظام أخلاقي بالطريقة نفسها التي تفشل بها النفعية. فالكانطي المثالي، مثل النفعي المثالي، ينبغي أن يتنازل عن الملذات غير الأخلاقية لأجل الأخلاق، فيصير قديساً أخلاقياً، وبذلك يفوت الحياة الطيبة.
وولف لا تنكر أن كونك أخلاقياً هو جزء من معنى العيش بشكل جيد كإنسان.
المشكلة هي إيجاد طريقة للتفكير في الحياة الجيدة تأخذ في الاعتبار كلاً من صلاح الأخلاق والأشياء غير الأخلاقية المتنوعة.
تقترح وولف في أطروحتها طريقين.
الأول: توسيع مفهومنا التقليدي للأخلاق ليشمل ما نعتبره عادةً خارج نطاقها. بمعنى آخر، يمكننا أن نقول إن الصيد، والنجارة، والعزف على الجيتار هي في الواقع خيرات أخلاقية، وبالتالي تتطابق الحياة الأخلاقية والحياة الطيبة تماماً.
لكن وولف تعتبر هذا الطريق سخيفاً. فالأخلاق تبدو نوعاً مختلفاً تماماً من الخير عن خير الصيد. عطلة نهاية أسبوع على البحيرة، وعطلة نهاية أسبوع في التطوع، قد تكونان جيدتين بالتساوي، لكن من السخف القول إن كلتيهما جيدتان أخلاقياً على النحو نفسه.
أما الطريق الثاني، الذي تفضله وولف، فهو الاعتراف بأن الأخلاق ليست سوى جزء من الحياة الطيبة. يمكننا أن نقرّ بأن هناك خيرات أخرى غير الأخلاق تدخل في حياة تستحق العيش. وبالتالي، لا نحتاج دائماً إلى فعل ما هو أخلاقي من أجل حياة طيبة، بل يمكننا التخلي عن مطالب الأخلاق أحياناً لصالح تلك الخيرات الأخرى.
على هذا النحو، من المتسق مع الحياة الجيدة أن نقضي وقتاً في تعلم لغة جديدة أو تدريب كلب بدلاً من استخدام كل وقت فراغنا لمساعدة الفقراء والمشردين. بعبارة أخرى، على هذا النحو، من الممكن أن نعيش حياة جيدة تماماً دون أن نعيش حياة أخلاقية تماماً، دون أن نكون قديسين أخلاقيين مثل بيلي.
وهذا الطريق الثاني، كما تلاحظ وولف، يشبه إلى حد كبير الطريق الذي اقترحه أرسطو منذ أكثر من ألفي عام. تذكر أن أرسطو كان يرى أن ليست أفعالنا هي القادرة على أن تكون جيدة، بل شخصياتنا. امتلاك شخصية جيدة ينطوي بالطبع على التصرف بطريقة أخلاقية. لكن امتلاك شخصية جيدة ينطوي أيضاً على امتلاك حس فكاهي، ومجموعة واسعة من الاهتمامات، وشخصية محبوبة. بعبارة أخرى، وبمصطلحات وولف، قد تنطوي الحياة الجيدة على القداسة الأخلاقية، ولكن ليس القداسة الأخلاقية فقط.
لماذا أهتم بهذا كله؟ لماذا أقرأ عن فيلسوفة كتبت قبل أربعين عاماً، وأحاول أن أفهمها، ثم أكتب عنها؟
الجواب، أعتقد، يكمن في شيء رأيته مراراً في مجتمعنا. نظارتنا نحن كمجتمعات، مهووسة بفكرة القديس الأخلاقي. نريد أن نرى الناس مثاليين. نريد أن نحكم عليهم. نريد أن نصنع منهم أيقونات، ثم نفاجأ حين نكتشف أنهم بشر.
وفي الوقت نفسه، كلنا نعرف، في أعماقنا، أننا لسنا قديسين. كلنا مذنبون. كلنا خطاؤون. لكننا، بدلاً من أن نعترف بذلك، نصبح خطاؤون انتقائيون. نميل إلى إصدار الأحكام على الذنوب التي نشعر تجاهها براحة أقل. نغضب من خطيئة معينة، ونتغاضى عن أخرى. نختار أخطاء الآخرين التي نشعر بأننا لسنا عرضة لها، ونجعل منها مقياساً للخير والشر.
وكم من مرة رأيتُ هذا في مناقشات عابرة، في أحكام تُطلق بسرعة. خطيئة الجار هي فضيحة، وخطيئتي أنا هي “ظروف خاصة”. زلة الآخر هي دليل على ضعف شخصيته، وزلتي أنا هي “خطأ يقع فيه كل إنسان”.
مجتمعنا يكره الفكاهة الساخرة. يخاف منها. لأن الفكاهة الساخرة تكشف التناقضات. تجعلنا نضحك على أنفسنا، وهذا مؤلم. تذكّرنا بأننا لسنا جادين إلى هذا الحد، وهذا يزعج من يريد أن يبقى كل شيء جاداً. نحن مجتمع مهووس بالنظرة المجتمعية. مهووس بما سيقوله الناس، وبالصورة التي نقدمها، وبالواجهة التي نبنيها. والقديس الأخلاقي هو واجهة مثالية: لا تشوبها شائبة، لا تخطئ، لا تضحك ساخراً، لا تتساءل.
لكن هذا الهوس، في النهاية، يدمرنا. لأنه يجعلنا نعيش في خوف. خوف من أن نُكشف. خوف من أن نكون بشراً. خوف من أن نعترف بأننا، مثل الجميع، نخطئ ونتناقض ونبحث عن أعذار. وهذا الخوف، كما أظن، هو ما يمنعنا من أن نعيش حقاً. لأن العيش، في جوهره، هو الاعتراف بأننا لسنا مثاليين، ومع ذلك نستمر في المحاولة.
أنا لا أدعي أنني أفضل من أحد. أنا أكتب هذا لأنني أعرف أنني، مثل الجميع، مذنبة وخطّاءة. لكنني أريد أن أعيش في عالم يمكننا فيه أن نعترف بذلك، دون أن نخاف من الأحكام. عالم يمكننا فيه أن نضحك على أنفسنا، ونرى تناقضاتنا، ونحاول أن نكون أفضل قليلاً، دون أن نتظاهر بأننا قديسون.
إذا كنا لسنا ملزمين بأن نكون قديسين، فإلى أي مدى نحن أنانيون حقاً؟ أعني، في الأعماق. عندما لا يرانا أحد. عندما لا تكون هناك عواقب.



لاول مره اقرا مقال رائع بهذا الشكل منذ فترة شكرا لمجهودك الرائع استمري 💓💓
لسنا ملائكة ولا شياطين. في داخل كل إنسان قدر من الأنانية، لأنها تساعده على البقاء وحماية نفسه، وقدر من التعاطف يدفعه إلى الاهتمام بالآخرين.
هل نحن أنانيون؟ بل : إلى أي حد نسمح لأنانيتنا بأن تتحكم في قراراتنا حين يغيب الرقيب، ولا يبقى سوى ضميرنا؟