بتاريخ 7 أكتوبر 2023، حين انفجرت الأحداث في غزة، اهتزت منصات التواصل الاجتماعي ورفعت الأعلام وكتبت آلاف التغريدات واعلن الفنانون والمشاهير تضامنهم ويتظاهر الملايين في شوارع العواصم الكبرى، العالم بأسره قد استيقظ فجأة على مأساةٍ عمرها سبعة عقود. كان السخط جماعياً، والغضب في ذروته، ثم بعد أسابيع أو أشهر، وبانشغال الرأي العام بأزمة جديدة أو حدثٍ طارئ، يخبو هذا الاهتمام، وتتراجع المشاعر الجماعية التي كانت في ذروتها الى مجرد بقايا عاطفيةٍ يُستعاد تذكرها بين الحين والآخر في مناسباتٍ محددة، القضية نفسها لم تتغي، لكن تغيرت عدساتنا الثقافية التي ننظر من خلالها إليها، والمشاعر التي شعرنا بها بأقصى درجات الصدق والحماسة كانت جزءًا من مناخٍ عاطفيٍ لحظيٍ أكثر مما كانت انعكاسًا لالتزامٍ أخلاقيٍ دائم. لا اعتبر تشكيكًا في صدق من اهتم حين اهتم، بقدر ماهو كشفٌ لطبيعة المشاعر الجماعية التي تخضع لقوانين الانتباه وتحولات السياقات الثقافية والإعلامية.
هذه المعضلة كانت محورًا لنقاشاتٍ في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وهي فترةٌ تشبه عصرنا إلى حدٍ بعيدٍ في توتراتها الاجتماعية وتصاعد مشاعرها الشعبوية. العالم الموسوعي غوستاف لوبون في كتابه المؤثر “الحشد: دراسة للعقل الشعبي” الصادر عام 1895 طرح فكرةً أن الأفراد عندما يتجمعون في حشدٍ ما فإنهم يفقدون شخصياتهم المستقلة ويذوبون في عقلٍ جماعيٍ واحدٍ، أفكار الحشد ومشاعره لا تكون تعبيرًا عن مجموع أفكار أفراده ومشاعرهم، بل تصبح كيانًا مستقلاً يمتلك منطقه الخاص وعواطفه الخاصة التي كثيرًا ما تكون بدائيةً وعفويةً وعنيفةً، تخضع لقوانين اللاوعي وتُسيطر عليها العدوى العاطفية بدل العقل والمنطق. ولوبون، الذي كان يؤمن بتسلسل هرمي للأعراق ويفضل حكم النخبة على الديمقراطية، جعل من هذه الظاهر أساسًا لفهم الدعاية والتلاعب بالجماهير، وهو ما جعل كتابه مصدر إلهامٍ لاحقٍ لزعماء مثل هتلر وغوبلز وموسوليني.
لكن هذه الرؤية المتشائمة للجماعة قوبلت بنقيضها من قبل مفكرين آخرين رأوا في الترابط الجماعي قوةً خيرةً يمكنها أن ترفع الإنسان بدل أن تهبط به، البنى الاجتماعية باعتبارها كياناتٍ مستقلةٍ عن الأفراد قادرةٍ على إنتاج مشاعر نبيلةٍ تعزز التضامن والتماسك الاجتماعي. تلك اللحظات التي يلتقي فيها الناس في طقوسٍ مشتركة ويتزامن فيها انتباههم وتتوحد مشاعرهم اطلق عليها اسم “الفوران الجماعي”، وهي حالةٌ من النشوة العاطفية المكثفة التي تنتمي إلى الجماعة وتجعل الأفراد يشعرون بانتماءٍ أعمق لبعضهم البعض.
هذا المفهوم الذي ظل لفترةٍ طويلةٍ في إطار الفلسفة الاجتماعية قد وجد مؤخرًا ما يدعمه في أبحاث علم الأعصاب الإدراكي، حيث أظهرت دراساتٌ لعلماء مثل جولي غريز وإليزابيث باتشيري أن الانتباه المشترك والشدة العاطفية لدى مجموعة من الغرباء يمكن أن يتنبأ بمستوى الترابط الاجتماعي الذي ينشأ بينهم، وأن ظهور مواقف اجتماعية إيجابية بين هؤلاء الغرباء يرتبط بتغيرات فسيولوجية حقيقية تحدث في أجسادهم نتيجة تحفيز المشاعر الإيجابية والسلبية على السواء. وبين هذين القطبين، القطب الذي يرى في الحشد همجيةً جماعيةً ودوركهايم الذي رأى فيه نبلاً جماعياً، والذي يفرّق بين “الحشد” الذي هو تجمعٌ ماديٌ عابرٌ قد يكون عنيفًا أو مرحًا لكنه يتبدد بمجرد افتراق الناس جغرافيًا، وبين “الجمهور” الذي هو كيانٌ معنويٌ يتكون من أفرادٍ متفرقين في أماكنهم لكنهم متحدون في أفكارهم ومرجعياتهم الثقافية، وذلك النوع الذي ولد مع اختراع الطباعة وتعزز مع ظهور الصحف ثم بلغ ذروته في عصر وسائل التواصل الاجتماعي التي جعلت من مستخدميها جمهورًا جديدًا من نوعٍ فريد، ليس حشدًا بالمعنى التقليدي لكنه يحمل الكثير من خصائصه.
سيغموند فرويد خصص جزءًا من كتابه “علم نفس الجماعة وتحليل الأنا” الصادر عام 1921، معترفًا بالفكرة ناقدا في الوقت نفسه لعدم تعمقها في الآليات النفسية التي تجعل الأفراد يتحدون داخل الجماعة ويخضعون لقائدٍ معين. افترض فرويد أن هناك استمراريةً قويةً بين النفس الفردية والنفس الاجتماعية، وأن الفرد في الجماعة لا يفقد شخصيته تمامًا كما زعم ، بل يُوضع في ظروف تسمح له بالتخلص من الكبت الذي يمارسه ضميره الأخلاقي على رغباته اللاواعية، فيتحرر الهو من سطوة الأنا العليا، وتنبعث الغرائز البدائية المكبوتة، وتنتقل هذه الحالة بين الأفراد عن طريق ما أسماه فرويد قابلية الإيحاء، وهي آلية تشبه ما يحدث تحت التنويم المغناطيسي حيث يخضع الشخص لإرادة المُنوّم. لكن رغم عمق التحليل الفرويدي، كان نقاده، ومن بينهم فلاسفة معاصرون يرون أنه ظل أسير النزعة الفردية في تركيزه النظري على الحياة الداخلية للمريض، متجاهلاً إلى حد كبير كيف تتفاعل الذات مع العالم الخارجي وكيف تتداخل الأبعاد الخاصة والعامة والفردية والجماعية في تشكيل التجربة الإنسانية.
البشر جميعًا يشتركون في قوانين نفسية أساسية، لكن الاختلافات الكبيرة بين ثقافاتهم تنشأ عن كيفية تشكل هذه القوانين ضمن ظروف بيئية وتاريخية محددة، وكيف تتحول إلى عادات نفسية وثقافية تنتقل بين الأجيال، كثيرًا من عادات التفكير وسمات الشخصية التي نظنها فطرية أو وراثية هي في الحقيقة مكتسبة تحت تأثير البيئة التي يعيش فيها الطفل منذ سنواته الأولى، فتتأصل فينا بعمق بحيث يصعب تغييرها في حياتنا الفردية والجماعية. حتى اللغة التي نتحدثها هي اكثر من مجرد وسيلة للتواصل، كونها تحدد طريقة إدراكنا للعالم من حولنا، تؤثر في ما نسمعه وكيف نفسره، وتصنف مشاعرنا وتسميها وتوجهها، فتتحول المسلمات الثقافية إلى عادات معرفية وعاطفية راسخة تشكل أساس مشاعرنا الجماعية وتحيزاتنا وتصوراتنا، وكأننا ننظر إلى العالم من خلال عدسات ثقافية لا نكاد نشعر بوجودها، لكنها تبقى مجرد ممارسات ديناميكية يمكننا، متى وعينا بها، أن نفهمها ونفككها ونتحرر من قيودها.
ختما افضل ان اسال هل نجرؤ، ونحن نغلق آخر نافذة أخبار لفلسطين، على أن نسأل أنفسنا: هل نحن من خان القضية، أم أن طبيعة وعينا الجمعي هي التي خانتنا؟



فعلا كنت ألاحظ الموضوع بين فترة و فترة وكأن حماسنا و مشاعرنا وغضبنا كلها مؤقتة . وأنا ايضا بينما كنت شديدة بموضوع المقاطعة، تدريجيا بدأ يخف اهتمامي مع ان الأوضاع لسا ما تغيرت عشان كذا أذكر نفسي ان الموضوع ما انتهى فقط لإن الموضوع ما صار يثير ضجة
ربما لم نخن القضية بقدر ما خذلناها بالطريقة التي تعلمنا بها أن نراها. فالأفكار التي تربينا عليها والمجتمع الذي شكّل نظرتنا للعالم أثّرا في ما نراه وما نتجاهله، وما نعتبره حقا وما نعتبره عاديا. لكن هذا لا يعفينا من المسؤولية، لأن فهم الأفكار التي شكّلتنا هو الخطوة الأولى لمراجعتها وتغييرها.