أحيانًا، في لحظات الضجر التي تسبق الفجر، أو في زحام النهار حين تضغط الجدران على أنفاسي، أتمنى لو أستطيع حزم أفعالي في حقيبة صغيرة والمشي بعيدًا. ليس هروبًا بالمعنى السطحي، بل بحثًا عن نسخةٍ من العالم لم تفسدها بعدُ توقعات الآخرين، حيث يمكنني أن أكون مجرد ظلٍّ عابرٍ على جدار مقهى قديم، أو غريبة تشرب قهوتها بهدوء في زاوية لا يلاحظها أحد. أريد مكانًا لا يحمل أيًّا من روائح الماضي، لا يعرف لهجتي حين أتلعثم، ولا يذكرني بأنني كنتُ يومًا جزءًا من قصصٍ لم أخترها. أتخيل نفسي في شقة صغيرة تطل على ساحة عامة، حيث أسمع ضحكات الغرباء وأنا أكتب في دفترٍ لا يقرأه سوى الضوء الخافت من مصباحي، حيث تصبح كل التفاصيل من صوت المطر على الزجاج إلى رائحة الخبز المحمص جديدة وكأنها خُلقت للتو، وكأنها تخصني وحدي.
لكن الأيام علمتني أننا حين نحمل جراحنا في حقائبنا ونظن أننا تركناها خلفنا، نكتشف أنها كانت تسافر معنا طوال الوقت. ربما ليس المكان هو ما نريد تغييره، بل الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا فيه. ففي النهاية، أينما ذهبنا، سنظل نحمل ذات العيون التي ترى، وذات القلب الذي يشعر. قد نجد لذةً مؤقتة في غربتنا، في تلك المسافة الآمنة بيننا وبين كل ما عرفناه، لكن الحقيقة التي تنتظرنا في نهاية كل طريق هي أننا لا نستطيع الهروب من أنفسنا. ربما يكون "الاختفاء" الحقيقي هو أن نختفي للحظةٍ كافيةٍ لنسمع صوتنا الخاص بين الضجيج، أن نكتشف أننا لسنا بحاجةٍ إلى هوية جديدة، بل إلى الشجاعة لنكون من نحن، في أي مكان قررنا أن نكون فيه. فالحياة ليست سوى سلسلة من اللحظات التي نختار فيها، مرارًا وتكرارًا، أن نولد من جديد دون الحاجة إلى تغيير عنواننا.
لذا ها أنا، بين الرغبة في الانطلاق والخوف من الضياع، أدرك أن المغامرة الحقيقية ليست في العثور على مكانٍ جديد، بل في العثور على نفسي بين أنقاض كل الأماكن التي حملت اسم الوطن. ربما يكفيني أن أعرف أنني، مثل الضباب، يمكنني أن أكون في كل مكان وفي لا مكان، خفيفةً كالنسيم.



مهما ابتعدت، لن تكون سوى أنت… لا يغيرك المكان، ولا يبدلك الزمان
كتابتك تلامس الروح، كأنها تعوضني عن كل لحظه حاولت فيها ان اعبر عن هذا الشعور ،ثم تخذلني ركاكتي اللغويه
شكرا
“أريد مكانًا لا يحمل أيًّا من روائح الماضي”
كلماتك لمست فيني شي حساس جدا لدرجة اني ما قدرت اوقف دموعي !
فعلا احتاج ابدا من جديد في مكان جديد خالي من المشاكل الغير اللي دفعت نفسيتي ثمنها .
ابغى شخصيتي القديمة المرحة و الرقيقة تطلع من جديد.
الحمدلله وبس