صدام حسين: بطل أم طاغية؟ أم ابن زمن مأزوم؟
في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، قلّما ظهرت شخصية أثارت من الجدل والانقسام ما أثاره صدام حسين. رجلٌ حَكم العراق بقبضة من حديد لأكثر من عقدين، شَيَّدَ فيها هالةً من العظمة حول نفسه، وارتبط اسمه بالحرب، والخوف، والمجد، والانهيار. لم يكن صدام مجرد رئيس؛ كان تجسيدًا لفكرة "الرجل الدولة"، حيث تتماهى السلطة مع شخص الحاكم، وتُختزل مؤسسات الحكم في إرادته الفردية.
لكن، هل كان صدام نتاجًا لظروف العراق وتاريخه، أم كان هو من صنعها وأعاد تشكيلها على صورته؟ وهل كانت حقبته مظلمة تمامًا، أم أن فيها محطات لا تزال تُستدعى اليوم، في الذاكرة الشعبية، كتعبير عن الكرامة الوطنية والقوة والسيادة المفقودة؟
الطفولة والتكوين: من العوجة إلى أوهام المجد
وُلد صدام حسين في أبريل 1937، في قرية العوجة التابعة لتكريت، وهي منطقة يغلب عليها الطابع العشائري، ظلت لسنوات على هامش الدولة المركزية في العراق. فقر مدقع، أمية منتشرة، وولاءات قبلية متجذرة جعلت الانتماء للعشيرة أهم من الانتماء للوطن. وسط هذا المناخ وُلد صدام "لقيط السلطة" كما وصفه بعض مؤرخي الغرب، لكنه بالنسبة للبعثيين كان "ابن العراق المظلوم".
فقد صدام والده قبل أن يراه، وقيل إنه مات أو اختفى في ظروف غامضة، فيما تزوجت والدته لاحقًا من رجل آخر كان قاسيًا عليه، الأمر الذي دفعه للهرب والعيش مع خاله "خير الله طلفاح"، وهو ضابط سابق في الجيش العراقي، قومي التوجه، طُرد من الخدمة بسبب انقلابه على النظام الملكي في الأربعينيات. كان طلفاح شخصية مُسيطرة ومهووسة بالمجد العربي، وكان يؤمن أن الحكم لا يُستتب إلا بالقوة، وهي أفكار ترسخت في ذهن صدام الصغير مبكرًا.
كان صدام منذ صغره مشدودًا لفكرة "القوة"؛ القوة كدرع ضد الضعف، وكوسيلة للسيطرة على عالم لم يمنحه الأمان يومًا. طفولته التي طبعها الفقد والتنمّر والمكانة الاجتماعية المتدنية، جعلته يرى في العنف والهيبة طريقًا للنجاة.
في بغداد، حيث التقى عالَم السياسة الحقيقي لأول مرة، وجد صدام نفسه وسط صراعات التيارات القومية والشيوعية والإسلامية. البعث كان الأكثر انضباطًا وتنظيمًا، ويمزج بين فكرة العروبة والعداء للغرب والشيوعية، وهذا ما لامس قناعاته المُتشكّلة سلفًا بفعل خاله وتأثيرات بيئته. لكن البنية العشائرية التي نشأ فيها لم تتركه، بل ستُصبح لاحقًا ركيزة سلطته، حين يُعيد إنتاج الدولة وفق نموذج القبيلة والولاء الشخصي، لا المؤسسات.
ولادة المشروع السياسي
كان الحزب يُروّج لفكرة "الثأر التاريخي" من المستعمر، وإعادة كرامة الأمة، وهي لغة وجد فيها صدام تعويضًا نفسيًا عن شعوره . كما أن الحزب كان نخبويًا، لكنه أيضًا مفتوح أمام الطامحين من الطبقات الشعبية، مثله تمامًا. لم يكن انتماؤه للبعث مجرّد قناعة فكرية، بل كان فرصة للخروج من الظل، وتحقيق الذات في بيئة تُمجّد "الرجل القوي" و"المخلّص".
وما بدأ كتفاعل مع الشعارات القومية، تحوّل بسرعة إلى هوس بالسلطة نفسها. إذ لم يكن صدام مهتمًا بالنظرية أو الجدل الفكري، بل بالتحكم، والتخطيط، وبناء النفوذ داخل الحزب. منذ سنواته الأولى في "العمل البعثي"، اشتهر بانضباطه، قدرته على الإخفاء، وقسوته إذا لزم الأمر. رأى في نفسه مشروع قائد، لا مجرد مناضل. بل قيل إنه منذ مراهقته، كان يدرّب صوته أمام المرآة، ويحاكي خطب عبد الناصر، ويقلّد مشيته، وكأنما يُحضّر نفسه لدور منتظر.
لكن هذا التحول لم يكن مجرد طموح شخصي. فقد بدأ صدام مبكرًا بفهم الحزب لا كجماعة فكرية، بل كأداة يُمكن السيطرة عليها. الحزب بالنسبة له لم يكن مرجعية، بل وعاء يمكن ملؤه بما يخدم مشروعه الشخصي. لاحقًا، حين يمسك بمفاتيح السلطة، سيُعيد تشكيل البعث نفسه، ويُفرغه من أي جدل أيديولوجي لصالح الولاء المطلق لشخصه.
محاولة الاغتيال والمنفى: من الرصاصة إلى القاهرة
في الخمسينيات، كان العراق يغلي على صفيح ساخن. أنهى لتوّه عهد الملكية بانقلاب 1958، لكن بدل أن يدخل مرحلة استقرار، غرق في صراعات داخلية مريرة. النخبة السياسية كانت منقسمة بين قوميين عرب يحلمون بالوحدة مع مصر الناصرية، وشيوعيين مدعومين من الاتحاد السوفيتي، وإسلاميين يخشون ذوبان الهوية، وعسكريين يصارعون لأجل النفوذ. الشارع العراقي كان حيًا، عنيفًا، متقلّب الولاء، ومخترقًا بالجواسيس. كل فكرة لها بندقية، وكل حزب له ساحة ودماء.
في هذا المشهد المتوتر، كان عبد الكريم قاسم في الواجهة. ضابط صلب، قاد ثورة 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي، لكنه لم يكن رجل توافق، بل بدأ بإقصاء حلفائه، خصوصًا البعثيين والقوميين، وتحالف مع الشيوعيين. قاسم لم يلغِ الملكية فحسب، بل فتح معركته مع كل من يهدد سلطته، فازدادت الاعتقالات، وامتلأت السجون، واختفى الكثيرون في أقبية وزارة الدفاع.
أما حزب البعث فكان لا يزال في بداياته التنظيمية، قليل العدد، لكنّه مسكون بهاجس الانقلاب والمواجهة. وكان يرى في قاسم "خائن الثورة"، وعميلًا للشيوعية، وخطرًا على حلم الوحدة العربية مع مصر. هنا ظهر اسم صدام حسين داخل التنظيم، لا كمنظّر سياسي، بل كمنفّذ محتمل لعمل حاسم.
كان في الثانية والعشرين من عمره، لكنه أثبت كفاءة في التنظيم والعمل السري، وقدرة على الحذر والانضباط. لم يُعرف عنه الخطابة، بل يُذكر أنه كان يُفضّل الصمت والمراقبة. مثّل عنصرًا مثاليًا لخطة اغتيال محفوفة بالمخاطر، تتطلب التسلل والتنفيذ السريع، ثم الهروب.
في 7 أكتوبر 1959، نُفّذت المحاولة. في شارع الرشيد ببغداد، أوقف المنفذون سيارة قاسم وأُطلق والناس. لم يُقتل، بل أُصيب بجروح طفيفة. قُتل مرافقوه، وفرّ المهاجمون، فيما أُصيب صدام برصاصة في ساقه. نُقل سرًا إلى تكريت، ومن هناك إلى سوريا، ثم إلى القاهرة بجواز سفر مزوّر، تحت حماية شبكة بعثية وعلاقات خاله خير الله طلفاح.
رغم فشل العملية، تحوّل صدام إلى أسطورة داخل الحزب. شاب فقير يغامر بحياته، يُصيب الزعيم المكروه، ويهرب تحت النار... باتت له هالة "المناضل الجريء" الذي لا يخشى الدم، وهي صورة ستُرافقه طويلًا وتُبرر لاحقًا قسوته، باعتبارها امتدادًا للتضحية لا للجبروت.
في القاهرة، لم يكن المنفى مأساة، بل انطلاقة ثانية. مصر عبد الناصر كانت تعتبر البعثيين حلفاء، والنظام المصري منح صدام دعمًا صامتًا، وسُمح له بدراسة القانون بجامعة القاهرة. لكنه لم يكن طالبًا عاديًا؛ بل كان يعيش على هوامش السياسة، يقرأ كثيرًا، ويكتب تقارير تنظيمية، ويصقل صورته كزعيم مقبل. القاهرة منحته ما لم يمنحه العراق آنذاك: فضاءً آمنًا للتأمل، وبداية تشكّل وعي سياسي يُزاوج بين فكرة "الدولة الأمنية" والنموذج الناصري في الحكم، لكن دون بُعده الجماهيري.
داخل الحزب، بدأ يُنظر إليه كرمز للشجاعة والمبادرة. لم يعد مجرد اسم طارئ، بل صار "مشروع قائد" يملك خبرة الدم، وخلفية الريف، وحنكة المدينة. وحين يعود إلى العراق، لن يعود تلميذًا في الحزب… بل خصمًا يطالب بموقعه في القيادة.
سنوات التحضير: بناء الشبكة في الظل
عاد صدام حسين إلى العراق مطلع الستينيات، بعد أن هدأت مطاردات نظام عبد الكريم قاسم نسبيًا، وأُعلن عن "عفو عام". لكن عودته لم تكن عودة لاجئ، بل عودة رجل قرأ الساحة السياسية جيدًا، وعرف أن الزمن لم ينضج بعد لصعوده الشخصي، فآثر التراجع خطوة إلى الوراء كي يراقب.
في تلك الفترة، كانت الانقلابات العسكرية تتوالى في العراق كالفصول. في عام 1963، شارك البعثيون في انقلاب ضد قاسم أودى بحياته، لكنهم لم يحتفظوا بالسلطة طويلًا، إذ أُزيحوا من الحكم بعد أشهر قليلة في صراع دموي مع الشيوعيين والجيش. عاش الحزب بعدها في حالة من التشرذم، والشك، والاختراق، وعاد إلى السرية والتنظيمات الهشة، فيما انشغل قادته بالجدل الأيديولوجي حول الاشتراكية، والقومية، والتحالفات الممكنة.
في هذا الفراغ التنظيمي، لمع نجم صدام في الظل. كان يُدرك أن الصراع الحقيقي ليس بين الأفكار، بل بين من يملكون مفاتيح السيطرة. فبينما كان القياديون يتجادلون في الاجتماعات المركزية، بدأ هو بتشكيل شبكته الخاصة داخل الحزب، يضم إليها المنضبطين والموالين، ويقصي من يعتبرهم طموحين أو مشكوكًا في ولائهم.
نشط داخل ما سُمّي حينها "جهاز العلاقات العامة" في الحزب، وهو اسم ناعم لوحدة الاستخبارات والتنظيم الداخلي. ومن هناك، بدأ يُعيد هندسة الحزب ذاته: تنظيم أفقي مرن، يُقاد من مركز أمني خفي، حيث المعلومة تُسبق القرار، والولاء الشخصي يعلو على العقيدة.
ما فعله صدام في تلك المرحلة يُشبه ما يفعله مهندس دولة من تحت الأرض: أنشأ نواة جهاز أمني لا يراقب خصوم الحزب فقط، بل الحزب نفسه. راقب القيادات، جمع ملفات، ونسج علاقات فوقية مع ضباط في الجيش وأمن الدولة. بدا وكأنه يُحضّر لدولة موازية، ذات قلب أمني ونَفَس طويل.
في الوقت الذي كان فيه البعثيون يتصارعون حول الخطاب والنصوص، كان صدام يُبني البعث من جديد، لكن ليس كحزب، بل كأداة سلطة.
بحلول عام 1968، كان قد ثبت أقدامه في عمق الجهاز التنظيمي، لا كمتحدث أو منظر، بل كمن يعرف الجميع، ويحفظ أسرارهم، ويعرف متى يصمت ومتى يضرب.
كان يعرف أن الانقلاب القادم سيكون مختلفًا… ليس لحظة اقتحام قصر الرئاسة، بل بداية مشروع طويل لبناء دولة تُشبهه، وتدين له وحده بالولاء.
الانقلاب البعثي وصعود رجل الأمن
في فجر 17 تموز 1968، تحركت مجموعة من الضباط البعثيين في انقلاب شبه سلمي، أطاحوا فيه بالرئيس عبد الرحمن عارف، واستولوا على الحكم من دون أن تُطلق رصاصة واحدة تُذكر. ما بدا للعالم انقلابًا عاديًا آخر في عراق الانقلابات، كان في الحقيقة بداية مرحلة جديدة أعمق بكثير: مرحلة حكم البعث بصيغته الأمنية الشاملة، وصعود رجل يُدعى صدام حسين من الظل إلى قلب الدولة.
رئاسة الجمهورية ذهبت رسميًا إلى اللواء أحمد حسن البكر، وهو ضابط قديم من تكريت ورفيق صدام في الحزب والعشيرة. لكنه كان متقدمًا في السن، هادئًا، يفتقر إلى الحسم الحديدي. أما صدام، فكان الشاب المتحمّس، المتفرّغ تمامًا لبناء سلطة أمنية عميقة، والذي آمن أن الدولة تُدار كما تُدار الخلية الاستخباراتية: مراقبة دائمة، تطهير مستمر، وإحلال عناصر مطيعة بدل المشتبه بهم.
في البداية، أُوكلت له ملفات "غير ظاهرة": الأمن الداخلي، تطهير الوزارات من المعارضين، متابعة الضباط غير الموثوقين، وخلق شبكة استخبارات موازية، لكنها أكثر فعالية. لم يكن له منصب وزاري ظاهر، لكنّه كان يعرف كل شيء. كان يتنقل بين المؤسسات بصمت، يحفظ الأسماء والوجوه، يُدوّن الأخطاء، ويفتح الملفات… ويُمهّد.
صدام لم يُنشئ جهازًا أمنيًا فقط، بل بنى منظومة أمنية متعددة الطبقات، تتقاطع فيها الأجهزة وتتجسس على بعضها البعض. من المخابرات العامة، إلى الأمن الخاص، إلى الحرس الجمهوري، وحتى شبكة المخبرين داخل المدارس والمستشفيات… كان كل عراقي مراقَب، وكل مسؤول مُسجّل، وكل خطأ مهما صغر يُحفظ في أرشيف سري لا ينسى.
خلال سنوات قليلة، بنى صدام ما يُعرف لاحقًا بـ"دولة الخوف": شبكة أمنية معقّدة لا تدين بالولاء إلا له، ولا ترى في الحزب سوى غطاء، وفي الرئيس سوى واجهة.
كان البكر، من موقعه كرئيس، يعتمد عليه أكثر فأكثر، خاصة مع تصاعد التحديات الإقليمية (الخلاف مع عبد الناصر، ثم السادات، والضغوط الكردية في الشمال). لكن صدام لم يكن ينتظر التكليف؛ كان يقتنص الأزمات ليُثبت أنه الرجل الوحيد القادر على الإمساك بالخيوط، في الداخل والخارج معًا. تفاوض مع الأكراد، أدار ملفات العلاقات مع إيران، قاد حملات قمع اليساريين، وكان هو مَن يتخذ القرار في النهاية، حتى وإن وُقّع باسم البكر.
هكذا، بين 1968 و1979، لم يكن صدام مجرد مسؤول كبير، بل الرئيس الذي لم يُنتخب بعد، ينتظر اللحظة التي يُقصي فيها البكر نفسه، ليعلن أن "الظل قد صار هو النور".
الاستحواذ الكامل: عندما التهم الذئب القطيع
في 16 تموز 1979، أعلن أحمد حسن البكر، رئيس العراق منذ عقد، استقالته "لأسباب صحية"، وجرى تسليم السلطة إلى نائبه صدام حسين بهدوء… هدوء لم يُكمل أسبوعًا حتى تحوّل إلى رعب تاريخي محفور في ذاكرة العراقيين.
بعد أيام فقط من تولّيه الرئاسة، دعا صدام لاجتماع موسّع للقيادة القُطرية لحزب البعث، نُقل عبر الشاشات على الهواء مباشرة. بدا كل شيء طبيعيًا في البداية، حتى وقف أحد الأعضاء يُعتقد أنه تحدّث تحت التهديد وأعلن عن "مؤامرة خيانة داخل الحزب"، بدعم من سوريا، تسعى للإطاحة بالنظام الجديد.
في لحظة واحدة، تغيّر جو القاعة. بدأ صدام يقرأ أسماء "المتورطين"، واحدًا تلو الآخر، وكلما نادى اسمًا، يُؤخذ صاحبه خارج القاعة ولا يعود. وجوه شاحبة، أنفاس متقطعة، وبعضهم كان يُصفق وهو يرتجف. كان مشهدًا فظيعًا في طابعه المسرحي؛ عرضًا سياسيًا بالغ القسوة، صُمم ليُعرض على الهواء لا ليُنسى.
في غضون دقائق، أُفرغت القيادة من ثلثها، وأُعدم العشرات من رفاق صدام التاريخيين، ممن قاتلوا معه وقُرّبوا منه. لكن الرعب لم يتوقف عند حدود التصفيات؛ فالجزء الأشد قسوة جاء حين طلب صدام من من تبقّى من الرفاق أن يُنفّذوا بأنفسهم أحكام الإعدام في رفاقهم المتهمين، وكأنما أراد أن يربطهم بدم لا فكاك منه، وأن يُجبرهم على التضحية بالذاكرة والحزب معًا مقابل البقاء.
لم يكن الهدف فقط تصفية مؤامرة حقيقية أو محتملة، بل إعادة كتابة بنية النظام بالكامل. في ذلك اليوم، دفن صدام ما تبقّى من فكرة "حزب البعث"، وأعلن دون أن يصرّح أن الولاء بات لشخصه لا للفكرة، وأن الزعامة لا تُوزّع، بل تُحتكر. لم يعد هناك حزب، بل قائد. لم تعد هناك أيديولوجيا، بل شخص يُمثلها ويُفسّرها وحده.
لقد أراد أن يقول بوضوح: "أنا الدولة، ومن يشكّ في ذلك، مصيره حاضر أمامكم".
ومنذ تلك اللحظة، دخل العراق زمنًا جديدًا: زمن القائد الأوحد، صاحب التمثال، والصوت الواحد، والنظرة الثاقبة التي لا يجرؤ أحد على مواجهتها. دولة تحكمها صورة معلّقة على الجدران، وصمت ثقيل في الشوارع، ودفاتر أمنية تُسجّل حتى ما يُقال في نومك.
لم يكن بطلًا من النوع الأخلاقي، بل بطلاً رمزيًا، يحمل على كتفيه ما تبقّى من خيال الأمة. رآه البعض نُسخة معاصرة من صلاح الدين، لا لأنه حرّر القدس، بل لأنه تجرأ على إعلان عدائه لإسرائيل، واحتضن شخصيات فلسطينية حين كان غيره يتجنّب حتى ذكرها. ورآه آخرون وريثًا لعبد الناصر، لا بسبب خطاباته فحسب، بل لأنه حاول أن يبني دولة قوية، بمؤسسات وتعليم وجيش.
لكن صورته كبطل لم تكن فقط نتاج خطابه السياسي، بل أيضًا لما تحقق فعليًا داخل العراق، خاصة في سبعينيات القرن الماضي. فقد شهدت البلاد آنذاك نهضة تنموية لافتة. أُطلقت حملة وطنية لمحو الأمية شارك فيها آلاف المعلمين، حتى في القرى النائية. صار التعليم إلزاميًا ومجانيًا، ووصلت الكهرباء والمياه والكتب إلى كل بيت. بحلول أوائل الثمانينيات، نال العراق جوائز من اليونسكو لإنجازه في محو الأمية.
تحسّن مستوى المعيشة أيضًا بشكل ملحوظ: الرواتب كانت كافية، العلاج مجاني، السكن مدعوم، والطرقات والمستشفيات تُبنى باستمرار. حتى النساء دخلن الجامعات، والمؤسسات الحكومية، والمجال العام بشكل لم يكن شائعًا آنذاك في المنطقة.
في تلك اللحظة، بدا صدام لا فقط زعيمًا قوميًّا، بل أيضًا مهندس دولة صاعدة، تُراهن على الكفاءة والانضباط، وتحاول أن تصنع عراقًا يُنافس الكبار. إعلام الدولة عزّز هذه الصورة، وركّز العدسات على ابتسامة القائد في زيّه العسكري، على مشاريعه، إنجازاته، خطاباته، بينما غابت مشاهد السجون والمخبرين والقبضة الأمنية عن الصورة العامة. المجد كان حقيقيًا جزئيًا، لكنه بُني أيضًا فوق الخوف، وفوق صمتٍ عميق لا يجرؤ أحد على كسره.
ثم جاءت لحظتان كرّستا صورته في خيال الجماهير:
1. حين قصف إسرائيل بالصواريخ عام 1991 أثناء حرب الخليج، في وقت كانت فيه العواصم العربية تهمس بدل أن تصرخ، فصفّق له من المغرب إلى اليمن، رغم أن الضربات لم تُحدث أثرًا عسكريًا فعليًا.
2. وحين رفض مغادرة بغداد عام 2003، وفضّل أن يبقى داخل العراق، يواجه الغزو الأمريكي، ويختفي دون أن يطلب اللجوء أو يظهر مستسلمًا. مشهد اعتبره كثيرون بطولة تراجيدية نادرة في زمن الاستسلام.
الناس الذين هلّلوا لصدام، لم يكونوا بالضرورة مغفّلين أو مؤدلجين. بل كانوا في كثير من الحالات شعوبًا مهزومة، تبحث عن صورة كرامة في زمن العار. كان يكفيهم أن يظهر على الشاشة رجلٌ عربي يتحدث بلهجة واثقة، لا يتلعثم، يهدد ويتوعّد، ليتشبثوا به… ولو وهمًا.
لكن المشكلة أن هذه البطولة لم تُمارَس لصالحهم، بل على حسابهم. فالكرامة التي حلموا بها، دفعوا ثمنها من دمائهم، ومعاناتهم، وخبزهم اليومي. وصدام، الذي وقف "مرفوع الرأس"، كان في الوقت نفسه يحكم بيدٍ من حديد، لا يتسامح مع أي اعتراض، ويقمع كل صوت يشكّك، حتى لو كان ذلك الصوت… داخل بيته.
حرب الثمان سنوات: قادسية المجد أم مستنقع الخراب؟
بعد عامٍ واحد فقط من استيلائه الكامل على السلطة، قاد صدام حسين بلاده إلى واحدة من أطول وأكثر الحروب دموية في القرن العشرين. لم يكن قرار الحرب ضد إيران مجرّد رد فعل على تهديد آني، بل تتويجًا لمزيج معقّد من الهواجس الأمنية، الحسابات القومية، والطموحات الشخصية بالزعامة.
في عام 1979، هزّت الثورة الإسلامية إيران. أُطيح بالشاه محمد رضا بهلوي، حليف الغرب والعراق، وحلّ مكانه نظام ديني بقيادة آية الله الخميني. النظام الجديد أعلن أن الثورة "لا تعرف حدودًا"، وأطلق دعوات مفتوحة لـ"تصديرها" إلى الدول المجاورة، لا سيما تلك التي تضم أغلبية شيعية، وعلى رأسها العراق. وبالنسبة لصدام، كانت تلك اللحظة فرصة ثمينة. إيران ما بعد الثورة كانت مرتبكة، جيشها مفكك، ونظامها معزول دوليًا. فقرر أن يسبق الخطر، ويضرب.
كان مقتنعًا بأن طهران تسعى لإسقاط نظامه، لا بالمدافع فقط، بل بالأفكار، والتحريض الطائفي، والدعم الخفي. لكنه لم يكن يرى نفسه فقط حاكمًا يحمي الحدود، بل زعيمًا يدخل التاريخ عبر الحرب، ويملأ الفراغ العربي الذي خلّفه غياب عبد الناصر، وانكفاء مصر بعد اتفاقية السلام مع إسرائيل.
وكانت هناك جراحٌ قديمة لم تندمل، أهمها اتفاقية الجزائر 1975. حينها، اضطر العراق إلى التنازل عن جزء من سيادته على شط العرب لإيران مقابل وقف دعمها للمتمردين الأكراد. الاتفاق، في عيون صدام، كان إذلالًا تاريخيًا، ومع سقوط الشاه، رأى أن الفرصة قد حانت لتمزيق الاتفاق واستعادة "الكرامة الوطنية" بالسلاح.
في 22 سبتمبر 1980، أمر صدام قواته بعبور الحدود الشرقية، وبدأت الحرب. التوغّل العراقي كان سريعًا في بدايته، فسيطر على مدن إيرانية حدودية. وروّج النظام للعملية كملحمة تاريخية، أطلق عليها اسمًا رمزيًا: قادسية صدام . الإعلام، والقصائد، والمدارس، والمساجد، كلها تحوّلت إلى جوقة واحدة تهتف باسم "القائد المجاهد"، الذي يدافع عن العرب والإسلام ضد "المجوس والخمينيين". الحرب لم تكن حرب حدود، بل ملحمة مقدسة، كما صوّرها الخطاب الرسمي.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا. فبعد الهجوم الأولي، تحوّلت الحرب إلى مستنقع خنادق طويل، امتد لثماني سنوات، ودمّر كل شيء. قُتل مئات الآلاف من الطرفين، وشهدت المدن قصفًا عشوائيًا، وواجه المدنيون الرعب من الهجمات الكيميائية،أبرزها
مجزرة حلبچة 1988، حين قصفت القوات العراقية المدنيين الأكراد بغازات سامة كغاز الخردل والسيانيد، في واحدة من أبشع جرائم النظام ضد شعبه.
اقتصاديًا، استنزفت الحرب كل موارد الدولة. تراكمت الديون على العراق إلى أكثر من 80 مليار دولار، أغلبها من دول الخليج التي دعمت الحرب طمعًا في كبح الثورة الإيرانية. سياسياً، بدأ العالم ينظر إلى صدام كمهووس مجد لا يتراجع، حتى في وجه الخراب. ومع ذلك، رفض صدام وقف إطلاق النار. حتى وهو يرى جنوده يُستنزفون، وحلفاءه يتراجعون، واحتياطاته تنفد، ظلّ متمسكًا بخطاب "النصر القريب".
بالنسبة له، الهزيمة كانت تعني انهيار صورته. والقائد في روايته لا يُهزم. فالوطن كان صورته، والحرب مرآته. وإن انكسرت، لن يبقى شيء.
حين انتهت الحرب أخيرًا عام 1988، قَبِل الطرفان وقفًا هشًّا لإطلاق النار دون منتصر. ومع ذلك، ظهر صدام ليُلقي خطاب "الانتصار التاريخي"، متحدّثًا عن صمود الأمة ومجد القائد، بينما العراق كان يحترق من الداخل: اقتصاد مُنهك، جيش منهار نفسيًا، مجتمع مفكك، وسلطة لا تعرف إلا القمع.
لكن بدلاً من التراجع لإعادة بناء الدولة، نظر صدام إلى جبهة جديدة... فقد ظنّ أن النصر قاب قوسين. والكويت كانت أقرب مما يظن.
. غزو الكويت: الخطوة التي أطاحت بكل شيء
بعد ثماني سنوات من حربٍ طاحنة مع إيران، كان العراق يخرج من ساحة المعركة بجراح غائرة. الاقتصاد مُنهك، البنية التحتية مدمّرة، والديون الخارجية تثقل الكاهل، لا سيما من دول الخليج التي موّلت الحرب. ومع ذلك، لم يَرَ صدام حسين في نفسه مهزومًا، بل منتصرًا باسم العرب جميعًا. وكان يعتقد أن الآخرين، وخصوصًا الكويت والسعودية، مدينون له، لا العكس.
توقّع صدام أن تتعامل معه دول الخليج كـ"درعٍ بشري" صدّ الثورة الإيرانية نيابةً عنهم، وأن تُمكّنه من النهوض دون مطالبات مالية. لكنه صُدم برفضهم التام لإلغاء الديون، بل وبأنباء تتهم الكويت بإغراق سوق النفط عمدًا، مما أدى إلى هبوط الأسعار وتفاقم أزمة العراق الاقتصادية.
بالنسبة لصدام، لم يكن هذا خلافًا ماليًا فحسب، بل خيانة مقنّعة، وطعنة في الظهر. بدأ خطابه يتغيّر تدريجيًا: اتهم الكويت بسرقة النفط من حقول الرميلة، واتّهمها بالتآمر مع واشنطن و"الصهيونية" لإضعاف العراق المنتصر. في خلفية هذا الخطاب، كانت تتكوّن فكرة أخطر: أن الحل لا يكون بالدبلوماسية، بل بالضمّ.
الكويت، من وجهة نظره، لم تكن فقط خصمًا ماليًا. بل فرصة جغرافية واقتصادية. دولة صغيرة، ثرية، ذات جيش ضعيف، والسيطرة عليها تعني حصول العراق على منفذ واسع على الخليج العربي، ونفوذ إقليمي هائل.
ربما، في أعماقه، ظنّ أن العالم العربي سيتفهم خطوته، أو يصمت كما صمت طويلاً عن طموحاته السابقة. وربما ظنّ أن الغرب لا يزال تحت تأثير عقدة فيتنام، ولا يجرؤ على الحرب.
لكن في 2 أغسطس 1990، قام صدام بالخطوة الأخطر في حياته السياسية: اجتياح الكويت وضمّها رسميًا إلى العراق كمحافظة "التاسعة عشرة". خلال ساعات، انهار الجيش الكويتي، وهربت العائلة الحاكمة، ورفرفت أعلام العراق فوق المباني الرسمية. أطلق الإعلام على العملية اسم "التحرير"، وظهرت صور صدام كفاتح قومي جديد، يثأر لما عجز عنه غيره.
لكن ما اعتُبر نصرًا سريعًا، كان في الحقيقة الشرارة التي أنهت أسطورته.
العالم لم يتأخر في الرد. خلال أيام، تشكّل تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة، يضمّ أكثر من ثلاثين دولة، حصل على تفويض من الأمم المتحدة باستخدام القوة لطرد العراق إن لم ينسحب. صدام تجاهل التحذيرات، وظنّ أن "التوازنات الدولية" ستمنع الحرب. لكنه أخطأ التقدير مرة أخرى.
في يناير 1991، بدأت عملية "عاصفة الصحراء": حملة جوية عنيفة دمّرت البنية التحتية للعراق ومراكز قيادته. وفي فبراير، تحركت القوات البرية، وخلال 100 ساعة فقط، انهار الجيش العراقي في الكويت. آلاف القتلى، عشرات الآلاف من الأسرى، وقوافل محترقة على "طريق الموت" بين الكويت والبصرة.
انسحب صدام من الكويت، لكن الثمن كان فادحًا. فرضت الأمم المتحدة حصارًا خانقًا على العراق، شُلّ فيه الاقتصاد، وانتشر الجوع، وعُزلت البلاد دبلوماسيًا.
أما على المستوى الرمزي، فقد كانت تلك اللحظة هي لحظة السقوط الكبرى:
الرجل الذي حلم بالزعامة، خسر كل شيء في لحظة طيش. ومنذ تلك اللحظة، صار يُرى لا كبطل، بل كمقامر متهور، قاد شعبه إلى الهزيمة والخذلان.
عراق التسعينيات: العقوبات، القمع، وتضخم صورة الزعيم
كان غزو الكويت، ومن ثمّ الهزيمة في حرب الخليج الثانية، نقطة تحوّل مأساوية في تاريخ العراق الحديث. فبعد أن كان يُصوَّر كدولة قوية تواجه إيران وتؤثر في التوازن الإقليمي، وجد نفسه فجأة مطوقًا بالعقوبات، ومجردًا من الشرعية الدولية، ومتهمًا بالعدوان.
فور انتهاء الحرب في 1991، فرض مجلس الأمن على العراق عقوبات اقتصادية شاملة بموجب القرار 661. شُلت كل حركة اقتصادية: توقّف تصدير النفط، وتجمّدت الأصول، ومُنع استيراد معظم السلع الأساسية. كان الهدف المعلن هو إرغام النظام على تفكيك برنامجه التسليحي، لكنه في الواقع أدخل الشعب العراقي بأكمله في حصارٍ خانق دام أكثر من عقد.
اقتصاديًا، كانت النتائج كارثية وغير مسبوقة:
انهار الناتج المحلي بنسبة تزيد على 60٪ خلال أقل من سنة. العملة العراقية فقدت معظم قيمتها، وظهرت سوق سوداء تدير دورة الحياة اليومية. شحّت الأدوية، وانهار النظام الصحي، وتحوّل الجوع من شبح إلى واقع. حتى المدارس توقفت عن توزيع الكتب، والمستشفيات عجزت عن معالجة أبسط الأمراض.
في تلك اللحظة، انهار "مشروع الدولة القوية" الذي تبنّاه صدام في السبعينيات. لكن بدل التراجع أو مراجعة المسار، اتّجه النظام نحو تشديد قبضته، وتحويل الأزمة إلى فرصة لتكريس صورة "الرئيس المقاوم".
فعلى الصعيد السياسي، أعاد صدام تشكيل السلطة بالكامل. لم يعد حزب البعث هو الإطار التنظيمي الحقيقي، بل بات مجرد واجهة. مركز القوة انتقل إلى العائلة والأجهزة الأمنية: أبناء، أصهار، ضباط مخابرات. صار الحكم أقرب إلى "جمهورية داخل جمهورية"، تتغذى على الخوف والبروباغندا.
تمّ سحق كل محاولة معارضة داخلية، خاصةً انتفاضتي الجنوب والشرق الكردي عام 1991، واللتين تمّ قمعهما بوحشية بالغة، شملت الإعدامات الميدانية، والتهجير، والسيطرة على الموارد الحيوية كالماء والكهرباء.
في المقابل، شهدت صورة صدام تضخمًا غير مسبوق.
غزت صوره الجدران، وظهرت تماثيله في كل ساحة. الإعلام الرسمي صوّره كزعيم محاصر يُعاقب لأنه "قال لا" لأمريكا وإسرائيل. حتى الحصار نفسه، تحوّل في رواية النظام إلى "حرب حضارية" ضد العراق، ووسيلة لاغتيال الشعب عبر الغذاء والدواء.
وفي مفارقة قاتلة، استطاع صدام الحفاظ على النظام، لكن بثمنٍ باهظ:
نظام مُحصّن من الداخل أمنيًا، لكنه معزول تمامًا عن أي انفتاح سياسي، وعن الشارع الذي أنهكه الجوع والخوف والتعبئة الرمزية.
لكن هذا التماسك لم يكن استقرارًا… بل كان احتضارًا طويلًا.
فالولايات المتحدة، التي قبلت ببقاء صدام بعد 1991، كانت في الحقيقة تُمهّد لمرحلة جديدة، لا تتعلق بسلوكه الخارجي، بل بوجوده ذاته.
. 2003: الغزو الأمريكي وسقوط التمثال والدولة
رغم سنوات الحصار، ظلّ صدام حسين ممسكًا بزمام السلطة، مستندًا إلى آلة أمنية لا تعرف الرحمة، وشعبٍ مُنهك، ومعارضة مفككة. لكن التوازن الهشّ بينه وبين الولايات المتحدة كان آيلًا للسقوط في أية لحظة. وجاءت لحظة الانفجار الكبرى بعد أحداث 11 سبتمبر 2001.
فجأة، تحوّلت واشنطن إلى قوّة انتقامية مدفوعة بفكرة "محور الشر"، وصارت بغداد في عين الإدارة الأمريكية هدفًا مركزيًا، حتى دون دلائل حاسمة. روّجت إدارة بوش الابن لامتلاك العراق أسلحة دمار شامل، واتهمته زيفًا بدعم تنظيم القاعدة، في حين لم توجد أي روابط مباشرة.
بحلول عام 2002، صار قرار الحرب محسومًا. أرادت واشنطن ليس فقط تدمير ترسانة العراق، بل إزالة نظامه من جذوره. صدام، كعادته، أنكر الاتهامات، وراهن على توازنات دولية، ورفض أي إشارة للضعف. ظنّ أن روسيا وفرنسا ستحولان دون الحرب، وأن غطرسته القديمة لا تزال تردع.
في 20 مارس 2003، بدأت الحملة العسكرية. كانت الضربات الجوية مدمّرة ومباشرة، واستهدفت "رأس الأفعى" كما سمّاها المخططون أي مواقع القيادة والسيطرة والحرس الجمهوري. ومع ذلك، لم تُواجه القوات الغازية مقاومة حقيقية تُذكر. الجيش العراقي، الذي صُوّر طويلاً كقوة ضاربة، تلاشى بسرعة. بعضه انشق، وبعضه فرّ، وبعضه ببساطة لم يُقاتل.
وفي 9 أبريل، شاهد العالم لحظة سقوط تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس. كان المشهد مسرحيًا بامتياز: تمثال يُجَرّ بالحبال، جندي أمريكي يعتلي الدبابة، ووجوه باهتة تُصفّق تحت عدسة الكاميرا. لكنّ ما سقط لم يكن تمثالًا فقط، بل وهمٌ دام لعقود… وهم الدولة القوية التي تحكمها قبضة واحدة.
اختفى صدام عن الأنظار. لم يُعلن استسلامًا، لم يظهر ليقود مقاومة، لم يُسجّل خطاب الوداع. كأنّ الرجل الذي ملأ الشاشات لثلاثة عقود، قرر أن يختفي في صمت.
لكن غيابه لم يكن ماديًا فقط، بل مؤسسيًا. فبدخول الاحتلال، انهارت الدولة العراقية بالكامل:
تفكك الجيش، تعطّلت الوزارات، اختفت الشرطة، وتحوّل البلد إلى فراغ سياسي مرعب. لا حكومة، لا قانون، فقط الفوضى.
وما تبقّى من "البعثيين" انكفأ أو انقلب على بعضه، وبدأت القوى الطائفية والميليشيات تُعيد رسم خريطة البلاد بالسلاح.
في ديسمبر 2003، وُجد صدام حسين مختبئًا في حفرة قرب تكريت، في مشهد بدا وكأنه نهاية رمزية لحكاية رجل أرعب الشرق الأوسط لعقود:
حاكم كان يُهدد العالم بالصواريخ، يُنتشل ذليلًا من حفرة، بلحية كثة، وعينين مطفأتين.
أُحيل إلى محكمة خاصة أنشأها الاحتلال، وواجه تهماً تتعلّق بجرائم ضد الإنسانية، أبرزها مذبحة الدجيل عام 1982. المحاكمة نفسها كانت جدلية: صيغتها قانونية مشوّهة، يشوبها الطابع الانتقامي، ومشهد الإعدام في فجر عيد الأضحى عام 2006 بدا أكثر تعبيرًا عن الانقسام من العدالة.
لكن على أي حال، كانت تلك اللحظة… نهاية صدام، لا فقط كحاكم، بل كرمز.
صدام حسين: بطل أم طاغية؟ أم ابن زمن مأزوم؟
يصعب عند تناول سيرة صدام حسين أن نضعه في خانة واحدة. فالرجل الذي بنى دولة تعليمية متقدّمة، ومؤسسات صلبة، وجيشًا يُحسب له ألف حساب، هو نفسه الذي جرّ بلاده إلى ثلاث كوارث كبرى: حربٌ مدمّرة مع إيران، اجتياحٌ أهوج للكويت، واحتلالٌ أمريكي أنهى وجود العراق كدولة مستقلة.
كان وطنيًا، لكنه لم يحتمل وطنًا لا يدور حوله.
كان ذكيًا، لكنه لم يصغِ لأحد.
وكان قائدًا بكاريزما فريدة، لكنه لم يعرف كيف يحكم بلا قمع، ولا كيف يتراجع دون أن ينهار.
هل كان بطلاً؟
ربما، في نظر من رأوا فيه ندًّا للهيمنة الأمريكية، وصوتًا صلبًا في زمن الانكسار، ومن عاشوا طفولتهم في عراقٍ مستقر، مزدهر، لا يزال يُقارن بمرارات ما بعده في نظر كثير من العراقيين اليوم.
هل كان طاغية؟
بكل تأكيد، في نظر من عاشوا الرعب، والاعتقال، والقمع، وعاشوا في وطنٍ لا يُستشارون فيه، حتى في قرارات الحرب والموت.
لكن السؤال الأعمق لا يتعلق بصدام وحده، بل بمنظومة كاملة أنجبته، وصنعت مجده، وغطّت على عيوبه… الإعلام، المثقفون، الحزب، الشارع، الكتّاب، وحتى ضحاياه أحيانًا.
كيف صارت منطقتنا تُنتج قادة بلا سقف، وتُبارك لهم كل ما يفعلونه، وتُحوّل الولاء لشخص إلى مرادف للوطنية؟
كيف صار نقد الحاكم خيانة، والصمت فضيلة، والصورة المعلّقة على الجدار أهم من الحقيقة في الشارع؟
صدام لم يكن استثناءً… كان ابن لحظة مأزومة. لحظة ظنّت فيها الشعوب أن "المنقذ القوي" هو السبيل الوحيد للنجاة، حتى إن ساقهم نحو الهاوية.
وربما لهذا رغم مروره، ورغم نهايته، ورغم ما خلفه من خراب لا يزال الجدل حوله حيًّا.
لأنه لم يكن مجرد رجل… بل مرآة.
انعكست فيها أحلام الناس، وأوهامهم، وخيباتهم… وخرابهم.
خاتمة شخصية
حين أنهيت هذا المقال، شعرت أنني لا أكتب عن رجل فقط، بل عن زمن بأكمله. صدام حسين لم يكن مجرد حاكم، بل كان علامة استفهام كبرى على جبين التاريخ العربي: كيف لصورة أن تسحرنا، ولسلطة أن تُفقرنا، ولرجلٍ أن يجمع بين المجد والدم في آنٍ واحد؟
كتابة هذا النص لم تكن سهلة. كنت أتأرجح بين مشاهد الطفولة التي عاشها فقيرًا مُهانًا، وبين لحظات العنف حين قرر أن يُخضع وطنًا كاملًا لإرادته. تمنّيت أحيانًا لو كان أقل قسوة، أكثر بشرًا، أقل أسطورةً. تمنّيت أيضًا لو كانت نهايته أكثر كرامة… أو بدايته أكثر عدلًا.
لكن الأهم، أنني رأيت في قصته شيئًا من ماضينا وماضينا الجماعي. رأيت كيف نُطبل لزعيم حتى يتحول إلى قدر، وكيف نصمت حتى يصبح الصمت خيانة.
هذا المقال ليس تمجيدًا، ولا إدانة فقط. بل محاولة لفهم رجلٍ كان مرآةً لزمن، وما زال اسمه يُفجّر الجدل كلما ذُكر، وكأننا لسنا قادرين بعد على أن ننسى… أو نغفر… أو نفهم.












دائمًا ما أقرأ آراء غير موضوعية عن هذه الشخصية، وبصفتي عراقية فقد كونت رأيي الخاص من تجارب عائلتي وشعبي. أرى أن العرب بالعموم يمجدون صدام (لأنهم يرون قشرته فحسب كونهم كانوا يرونه ندًا لأمريكا).
ولكن كشعب عراقي نحن الذين عشنا معه وتحت ويلات الحرب والحصار والسجن والترهيب والعزلة عن العالم وفقدان أقرباء وأفراد عائلة لنا الأولوية في تكوين رأينا الشخصي ونشعر بالخيبة عندما نرى العربي يمجد فيه فقط لأنهم كانوا يرونه بطلًا من وجهة نظرهم وهم لم يعيشوا يومًا تحت حكمه.
سلمت أناملك على هذا المقال!
أشوف كثير من شعبي بالأردن يصفون صدام إنه فخر، وما أنكر المساعدات اللي قدّمها، والعلاقة القوية اللي كانت بين العراق والأردن من زمان وإلى الآن
لكن، رغم كل الترويج لصورة صدام كشخص جيد، كنت أشوف العكس تمامًا.
لما تعمّقت وبحثت بالحرب بين الكويت والعراق، حسّيت إنه كان شخص ما يشبع، ودائما يطمع بالمزيد.
وصدقًا، أنا أُشخصن الأمور مع أي شخص يكون سبب في حرب أو خراب وينتزع السلام من دولة مهما كانت.
صدام بالنسبة لي يمثّل الإنسان اللي همه يترك أثر ما ينمسح، حتى لو كان أثر شر. يهمه يُذكر، ولو كذكرى مؤذية