من مذكراتي العزيزة
الثلاثاء، وقت متأخر.. والكون يبدو أكثر اتساعاً من أي وقت مضى
أمسكت بالقلم وأنا أشعر أن قلبي قد ينفجر من الثقل. ثقل تحمله روح ترى كم نحن صغار في عنادنا، كم نحن عميان في رؤيتنا. أجلس تحت شجرة الزيتون ، وأنا أسمع همسات الأجيال تأتي من بين أغصانها.. كل ورقة تحكي قصة، كل غصن يروي مأساة.
اليوم، بينما كنت أقرأ عن نيكولاس وينتون، ذلك الرجل الذي أنقذ 669 طفلاً من أتون المحرقة، لم أستطع منع دموعي من السقوط على الصفحات. تخيلت ذلك الرجل العادي، الذي لم يكن يملك سوى قلبه الكبير، يقف على منصات القطارات في براغ، يمسك بأيدي الأطفال الصغيرة، ينظر في عيونهم المليئة بالرعب، فيحاول بكل ما فيه أن يمنحهم بصيص أمل.
ما الذي كان يشعر به وهو يودع كل طفل على القطار؟ هل كان يعلم أن هذه النظرات البريئة سترافقه طوال حياته؟ لقد أخفى هذا السر خمسين عاماً.. خمسين عاماً من الصمت، لأنه آمن أن الرحمة الحقيقية لا تحتاج إلى ضجيج.
وفي لحظة من اللحظات، بينما كنت أقرأ، تخيلت نفسي أقف على تلك المنصة.. أرى القطار يتحرك، وأيدي الأطفال الصغيرة تلوح من النوافذ، وعيونهم تسأل: "لماذا يجب أن أرحل؟ لماذا يكرهوننا؟ ماذا فعلنا؟".
أنا هنا، تحت شجرة الزيتون التي شهدت على كل هذا الجمال والألم، أسأل: كم عدد "الوينتونات" الذين نحتاجهم اليوم؟ كم عدد القلوب التي يجب أن تنكسر لكي ندرك أننا جميعاً ننتمي إلى بعضنا؟
في المتنزه، رأيت طفلين يلعبان معاً. طفل من عائلة فقيرة، تظهر الفاقة على ملابسه البالية، وطفل من أسرة ثرية، بأناقته المفرطة. كانا يلعبان بالكرة، يضحكان، يتدحرجان على العشب، وكأنهما من عالم آخر.. عالم لم نلوثه بعد بأحقادنا وتصنيفاتنا.
ثم جاءت المربية، وأمسكت بيد الطفل الغني، وبدأت تنفض عن ملابسه غبار اللعب، وهي تهمس بكلمات لم أسمعها، لكنني رأيت كيف تحولت البراءة في عينيه إلى حيرة، ثم إلى خجل، ثم إلى شيء يشبه الرفض. ورأيت الطفل الفقير يقف وحيداً، يمسك بالكرة بين يديه الصغيرتين، وعيناه تسألان: "ماذا فعلت؟"
هذا المشهد البسيط والمريع جعلني أهرب إلى هنا، إلى حديقتنا الصغيرة، لأبكي . أبكي على كل براءة نقتلها، على كل طفولة نسرقها، على كل قلب نقسيه.
نيكولاس وينتون كان يرى ما لم نعد نراه: أن كل طفل هو كنز، كل روح هي عالم كامل، كل إنسان هو جزء منا.
أتذكر كيف كان وينتون يضع الأطفال في القطارات، وكيف كان يربط على معاصمهم الأوراق بأسمائهم، وكيف كان يقبل جباههم قبل الرحيل. هل كنا سنفعل ذلك؟ هل كنا لنخاطر بحياتنا لإنقاذ أناس لا نعرفهم، لا يشبهوننا، لا يتكلمون لغتنا؟
الإجابة المحبطة هي: معظمنا لا يفعل؟
شجرة الزيتون تحمل في كل ورقة منها ذكرى، وفي كل غصن منها قصة. هي تشهد على كل هذا الجمال والألم، وتستمر في العطاء. تقدم ظلها للجميع، وثمارها للكل.
ربما يومًا ما، عندما نكبر بما يكفي لنرى أنفسنا في عيون الآخرين، عندما ندرك أن الدموع كلها مالحه، والدماء كلها حمراء، والقلوب كلها تبحث عن الحب.. ربما حينها سنضحك على غبائنا، على عنادنا، على كراهيتنا التي لا معنى لها.
لكن حتى ذلك الحين، سأظل هنا، تحت هذه الشجرة، أكتب بدموعي أكثر مما أكتب بحبري. أكتب عن ألم لا أستطيع حمله وحدة، عن حزن يغمرني، عن أمل لا يموت رغم كل شيء.
سأظل أؤمن بأننا، في أعماقنا، نعرف أننا واحد. نعرف أننا ننزف نفس الدم، نبكي نفس الدموع، نحلم نفس الأحلام.
لكننا للأسف.. نختار أن ننسى.
وربما يوماً ما سندرك أننا ننزف نفس الدم، عندما نرى أحدا يبكي، لا نسأل عن دينه أو عرقه قبل أن نجفف دموعه.
قصة نيكولاس:



وربما يكون الطريق إلى هذا هو الطريق إلى أنفسنا؛ أن نرى ذواتنا حقًّا ونتصالح معها، لا أن نكتفي بما نظنّه نحن. أن نواجه عيوبنا وصراعاتنا، فيتسع بذلك فهمنا للآخر، ونراه بذات النظرة المتسامحة المدافِعة المبرِّرة التي نُوجِّهها لأنفسنا.
أن نُفنِّذ مزاعم المجتمع في أننا "الخير الوحيد" وكل ما عدانا "تهديد".
أن نتعامل مع الناس وكأن لديهم أعلى درجات الحساسية، ونتعامل مع أنفسنا وكأننا نملك أدناها.
ذكرتيني بما قاله محمد درويش
على هذه الأرض ما يستحق الحياة:
تردد إبريل، رائحة الخبزِ في الفجر،
آراء امرأةٍ في الرجال،
كتاباتُ أسخياء على الرمل،
أمهاتٌ تقفن على خيط ناي،
وخوفُ الغزاة من الذكريات…
على هذه الأرض ما يستحق الحياة:
نهايةُ أيلولَ،
سيّدةٌ تترك الأربعين بكامل مشمشها،
ساعةُ الشمس في السجن،
غيمٌ يُقلّد سِرباً من الكائنات،
وهتافاتُ شعبٍ لمن يصعدون إلى حتفهم باسمين:
على هذه الأرض ما يستحق الحياة ..
مقالك أنارَ ما خفي بداخلي ، اهنئك