لا إلاه إلا الدولة؟
هذا الكيان الذي نسميه اليوم "الدولة" – ذلك البناء الذي يرسم حدود هوياتنا الجمعية، ويستخلص ضرائبنا، ويشرع نظم حياتنا – ليس كائناً ميتافيزيقياً نزل من علٍ. بل هو، في جوهره، الابن الشرعي لتاريخٍ مضطرب ومكانٍ محدد. يمكن للمرء أن يتخيله كطبقٍ سياسي طهته أوروبا في بوتقتها الخاصة، عبر قرون من الغليان الفكري والاضطراب الاجتماعي. كانت المكونات فريدةً في تركيبها: قفزة تكنولوجية هائلة، وثورات شعبية تطالب بالحقوق الطبيعية، ومدنٍ تنتفخ، وتيارات فلسفية جريئة – يمكن للمرء أن يجملها تحت مسمى "التنوير" – قررت أن تخلع القداسة عن السماء وتضع العقل البشري على عرش الكون، تطور كائن سياسي جديد، مختلف جذرياً في طبيعته عن الإمبراطوريات الشمولية القديمة أو الممالك العائلية الإقطاعية. لقد كان، في حقيقة الأمر، عملية صيرورة، كما يحلو للفلاسفة تسميته، أي تحولاً بطيئاً واعياً أنتج ترتيباً سياسياً وثقافياً فريداً.
غير أن المعضلة الكبرى تكمن هنا: كيف لابن بيئة محلية أن يدعي، في نهاية المطاف، صفة الكونية و العالمية؟ هذه هي المعجزة – أو ربما الخديعة الكبرى في مسيرة هذا الكيان.
فبعد أن أتمت أوروبا اختراع دولتها القومية، احتاجت إلى "أسطورة تأسيس جديدة تبرر هيمنتها وتصديرها إلى أركان العالم. وهنا جاءت الفلسفة والعلم الاجتماعي ليلعبا دور الكهنة الجدد في هذا النظام العَلماني. لم يعد الحاكم يستمد شرعيته من الحق الإلهي للملوك، بل من قوانين العقل والتقدم التي زُعم أنها علمية وحتمية. وهكذا، أُلبست الدولة ثوب الحياد العلمي. أصبحت مؤسساتها تخضع لـقوانين سياسية يُفترض أنها موضوعية وشاملة، كقوانين نيوتن للحركة. لم تكن هذه "العلمنة" مجرد فأصبحت الدولة تجسيداً للحقيقة العقلانية ذاتها.
و الأكيد أن هذا الادعاء بالعلمية والكونية لم يكن بريئاً في غاياته أو نتائجه، لفترة طويلة تاريخيا، لقد خلقت هذه الرؤية هوية جديدة للعالم قسمته إلى ثنائية ظالمة عنصرية : انقسم البشر إلى متحضرين – وهم أولئك الذين يعيشون داخل حدود الدولة الحديثة على النمط الأوروبي – وهمج أو قبليين – وهم كل من وقف خارج هذه الدائرة المقدسة، حتى لو كانوا ورثة حضارات موغلة في القدم.
أو انعدامه، هو المعيار الذي تُقاس به درجة الإنسانية والتحضر. وكما كان المصريون القدماء يقسمون العالم إلى مصريين وبرابرة، هكذا قسمت أوروبا الحديثة العالم إلى دول وأمم بلا دول.
أنت تعلم و أنا أعلم الآن أن تحت هذا الادعاء بالخلود والعالمية، ينبض قلب الدولة بقلب تاريخي زائل. هي في جوهرها، منتج محلي الطراز، كفنجان إسبريسو إيطالي أو سيارة فيات، وُلد ونما في ظروف ثقافية واقتصادية فريدة في رحم أوروبا الوسطى والمحيط الأطلسي.
إذن، فإن الخاصية الشكلية الأولى للدولة – تاريخانيتها وخصوصيتها، لا خلودها وكونيتها – هي المفتاح الذي سيفتح لنا أبواب التحليل القادمة. فالاعتراف بأن هذا "الإله" الدنيوي له سيرة ذاتية، ومكان ميلاد، وظروف نشأة، هو أول وأهم خطوة في تفكيك هالة قداسته. فهو يذكرنا بأن هذا الكيان، الذي يبدو أقوى منا، وأطول عمراً منا، هو في التحليل الأخير من صنع أيدٍ بشرية، وعقول بشرية، وفي لحظة بشرية محددة. وهو، مثل أي اختراع بشري آخر، يحمل في داخله عيوب بيئته الأصلية وقيودها. والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح، والذي لا مفر من مواجهته: إذا كانت الدولة الحديثة هي مجرد حل أوروبي الخصوصية لمشاكل أوروبا التاريخية، فلماذا يجب، حتماً، أن يكون هو الحل الوحيد والصالح لكل زمان ومكان، وخاصة لمجتمعات لها تاريخها المختلف، وروحها المتميزة، ومرجعيتها الثقافية والحضارية الفريدة؟
السيادة:
بعد أن استقرّ في ذهنك أن الدولة حادثة تاريخية، فهي، ككل بناء بشري معقد، لا بد أن تتركب من عناصر شتى، تتراوح بين المادي المحسوس والمتخيل الرمزي، بين الحقيقي والأسطوري. ويبرز مفهوم "السيادة" بوصفه أحد هذه المكونات الجوهرية، بل لعلّه الخاصية الشكلية الأكثر ثباتاً التي حافظت على تماسك فكرة الدولة عبر القرنين الماضيين، على الرغم من كل التحولات الجسيمة التي طالتها .
لئن استندت عروش الأزمنة الغابرة، من ممالك العصور الوسطى المبعثرة إلى إمبراطوريات الشرق المستبدة، إلى سلطة الأمير الشخصية أو هيبة الكاهن، فإن الصرح الحديث الذي نسميه "الدولة" قد ارتكز على أساس أكثر تجريداً وأشد غموضاً: سيادة لا تجسدها شخصية حاكم، بل تتوارى خلف ستار من المفاهيم المجردة. فهذه السيادة، ذلك الوهم القوي، هي التي تمنح الشرعية وتستمدها، وهي السر في بقاء الكيان الذي لا يرى إلا في تجلياته المؤسسية، بينما تتغلغل روحه الأيديولوجية في أوصال المجتمع، فتشكله من داخله كما يشكل النحات الطين.
ولم تكن هذه الفكرة العجيبة – فكرة الإرادة العامة – لتولد إلا في رحم أوروبا المتوثبة، حيث اضطربت الأفكار وتصادمت المصالح. فهناك، وفي خضم ذلك المخاض العاصف، برزت مقولة أن للأمة، ذلك الكيان المتخيل، إرادة واحدة ومصيراً لا شريك لها فيه. ولكي تكتسب هذه الإرادة وجودها الوهمي، كان لا بد لها من خلق شيطانها الخاص: طاغية استبدادي، عدو تأسيسي، تعلن عليه الحرب لتبرر وجودها. وقد جاءت الثورتان، الفرنسية والأمريكية، لتقدما سردية القطيعة مع هذا الاستبداد، فصاغتا الأسطورة التأسيسية التي لا تقوم للسيادة قائمة من دونها. وهكذا أصبحت الإرادة الشعبية هي المالك الوحيد للسيادة، سيداً لا يُسأل عن تصرفاته. غير أن هذه الإرادة الجمعية، في حقيقتها المريرة، لا تستلزم إرادة الأفراد ولا مشاركتهم_كما اجزم أنك فكرت الآن؛ بل إنها تظل تملك سلطانها المطلق حتى حين تُختطف وتُستبدل بأوثان جديدة لا علاقة لها بذلك الشعب الذي تدعي تمثيله.
وللسيادة وجهان لا ينفصلان: وجه يطل على الداخل بصرامة، وآخر يتطلع إلى الخارج باعتراف. ففي المحافل الدولية، تعني السيادة أن تعترف الدول بعضها لبعض بحق كل منها في التحدث باسم شعبها، مهما بلغت قسوة النظام أو بعده عن تمثيل رغبات الرعية. وقد بلغ من قوة هذا الوهم أن نظاماً قمعياً، يعلم القاصي والداني أنه لا يمثل من يحكمهم، يظل مخولاً، بموجب هذا الاعتراف المتبادل، بالتحدث باسمهم في المحافل الدولية. ولا يجرؤ أحد على تحدي هذه الشرعية الواهمة إلا عندما تثور الجماهير ثورة عارمة، أو ينهار الدستور انهياراً تاماً، ليحل محله نظام جديد يولد من رحم العنف، حاملاً معه سيادة جديدة.
غير أن العنف، وهو الأداة التي تقيم الدول وتهدمها، لا يكفي وحده لترسيخ شرعية الدولة في نظر العالم. فلكي تنتقل السيادة من مجرد عمل عنف اعتباطي إلى كينونة قانونية ، كان لا بد لها من أن تكتسي رداء الدستور المكتوب. عندئذٍ فقط يصبح عنف الدولة مشروعاً، لأنه أصبح تجسيداً للإرادة الشعبية المؤسسة قانونياً. وهذا الترتيب الدولي، الذي أرسيت قواعده بعد صلح وستفاليا، ارتبط عضوياً بذلك الوجه الداخلي للسيادة، حيث لا سلطة أعلى من سلطة الدولة داخل حدودها، ولا مرجعية فوق مرجعيتها. ففي عالم الدول هذا، يسود مبدأ غريب: أن عصيان القانون هو تحدٍ للإرادة السيادية ذاتها، وهو إما ضرب من التناقض الذاتي، أو عمل عنيف يعلن عن ميلاد سيادة بديلة. وشرعية هذا التحدي، في المنطق الوضعي، لا تقاس بعدالته أو أخلاقيته، بل بنجاحه في إزاحة النظام القائم. فالعنف، في نهاية المطاف، هو المنطق الخالص للسيادة.
ولكن، كيف للسيادة أن تظهر إلى الوجود دون أن تستند إلى أمة تتجسد فيها؟ إن الأمة، ذلك البناء المتخيل، هي الشرط المسبق لظهور الدولة القومية. فالدولة ذات السيادة لا تولد من فراغ، بل هي الفاعل الذي يخلق نفسه بنفسه، في عملية أشبه بالخلق الإلهي من العدم. وتشترك سيادة الدولة، في صفاتها الجوهرية، مع صفات الإله في الديانات التوحيدية: فهي كليّة القدرة، لا يعجزها شكل سياسي ولا يفلت من قبضتها أمر. وهي حاضرة حضوراً كلياً في كل لحظة من حياة الأمة، وفي كل ركن من أركانها. ولا ندرك وجودها بذاتها، بل نستدل عليه من خلال ما تنتجه من قوانين ومؤسسات. وهي، فوق ذلك كله، معيار لهويتنا وقيمة تتشكل ذواتنا من خلالها.
وتجدر الإشارة إلى خاصية جوهرية في أيديولوجيا الدولة القومية، هي التضحية بالمواطن. فإذا كانت الدولة تعبيراً عن الإرادة السيادية، فإن الغاية من وجودها ليست سوى بقائها الدائم. إنها توجد من أجل أن توجد. وليست وسيلة لتحقيق غاية أخرى، بل هي الغاية التي تذوب أمامها كل الغايات، والتي تُقدم في محرابها كل التضحيات. إن تعالي شأن الدولة بوصفها القيمة العليا ليس أمراً خارجياً عن المواطن؛ ففي الوعي الجمعي، لا وجود لإرادة الفرد خارج إرادة الدولة. ولكن المفارقة الأليمة أن هذا التماهي لا يرفع من شأن الفرد، بل يهيئه لأن يكون النموذج الأصلي للتضحية. فليس ثمّة ما هو أغلى من الحياة البشرية، إلا الدولة القومية ذاتها، فهي الكيان الوحيد الذي يحق له، في منطقها الداخلي، أن يطلب التضحية العظمى – التضحية بالحياة – وينالها.
التشريع والعنف: البنية التشريعية والإكراه المادي
لو أن الإرادة السيادية هي الروح المتخيلة للدولة، فإن القانون هو جسدها المادي في العالم، يحمل ليس فقط وعود العدالة، بل أيضاً أدوات قهرها المحتكرة. وكما تحتاج الروح إلى جسد لتتحقق فيه، تحتاج السيادة إلى القانون لتُفرض وتُرى. هذه العلاقة التأسيسية تجعل من احتكار التشريع الخاصية الشكلية الثالثة للدولة، وهي خاصية لا تقل قداسة عن سابقاتها.
إن الدولة، بوصفها تجسيداً لتلك "الإرادة العامة" المتخيلة، لا تستطيع أن تتنازل عن حقها الأصيل في صناعة القانون، كما لا يستطيع الإله أن يتنازل عن قدرته على الخلق. فما تقره الدولة يصبح قانوناً بمجرد إقراره، ليس لأنه بالضرورة عادل أو حكيم، بل لأنه صادر عن مشيئتها السيادية وحدها.
وهنا نصل إلى العصب الحقيقي للسلطة: العنف.
فالإرادة من دون قوة قادرة على فرضها ليست سوى أمنية. والقانون من دون عنف قادر على إنفاذه ليس سوى نصائح وأخلاق. لقد أدرك الفيلسوف "هانز كيلسن" هذه الحقيقة، فرأى أن الدولة هي اتحاد لا ينفصم بين ثلاثة عناصر: الإقليم، الشعب، والسلطة. ولكن ما هي هذه السلطة إن لم تكن، في جوهرها، القدرة على تشريع القانون ثم إرغام الناس على الخضوع له، داخل الحدود بقوة الشرطة والسجون، وخارجها بقوة الجيش والأساطيل؟
لذا، فإن الدولة والقانون ليسا توأمين فحسب، بل هما في الحقيقة وجهان لعملة واحدة. الحديث عن دولة بلا قانون هو كالحديث عن جسد بلا هيكل عظمي. والحديث عن قانون مستقل عن الدولة هو وهم جميل، كالحديث عن نار لا تحرق. الدولة هي القانون، ليس لأنها دوماً عادلة، بل لأنها القوة الوحيدة التي تمنح الكلمات المكتوبة على الورق سلطة أن تُغير مصائر البشر، وأن تسلبهم حرياتهم، أو حتى حياتهم.
في العالم القديم، كان العنف فوضى يمارسها الكثيرون. أما في عالم الدولة الحديثة، فقد جرى "تعميد" هذا العنف وتحويله إلى طقس مقدس. فالعنف الذي تمارسه الدولة ليس همجية، بل هو تطبيق للقانون. والعقاب ليس انتقاماً، بل هو إعادة تأكيد للإرادة السيادية. لقد أصبح العنف، في ظل الدولة، لغة راقية، لغة القوة النظيفة التي تنظفها شرعية المصدر.
وفي هذا تكمن الذروة الخطيرة: فالدولة لا تحتكر العنف فحسب، بل تحتكر حق تعريف ما هو عنف أصلاً. الضربة التي يوجهها الشرطي هي تأكيد للنظام، بينما الضربة المماثلة التي يوجهها المواطن هي اعتداء إجرامي. الدولة هي التي ترسم الحد الفاصل بين الفعل المشروع والجريمة، وهي التي تقرر متى وكيف تُسفك الدماء باسم "المصلحة العليا".
وهنا يبرز التناقض الأعمق مع الرؤية الإسلامية. ففي الإسلام، مصدر التشريع هو الوحي الإلهي، والسيادة لله وحده. القانون يستمد شرعيته من عدالته وموافقته للأمر الإلهي، وليس من القوة التي تفرضه. أما في دولة السيادة الحديثة، فإن القانون يستمد شرعيته من كونه تعبيراً عن إرادة الدولة ذاتها. هي التي تشرع، وهي التي تبيح، وهي التي تحرم. وحتى لو تبنّت الدولة قانوناً إلهياً، فإنها تتبناه بموجب قرار سيادي منها، فكأنها تمنحه الشرعية بتبنّيها إياه، لا العكس.
هكذا، تتحول الدولة من حارسة للقانون إلى مصدر للقانون، ومن منفذ للعدالة إلى معيار للعدالة ذاتها. إنها تعلن، بصمت أفعالها أكثر من أقوالها: لا مشرع سواي، ولا عنف مشروع إلا عنفي أنا. في معبد الدولة الحديثة، ليست "لا إله إلا الله" هي الشهادة، بل "لا مشرع إلا الدولة".
٤ - البيروقراطية والنسيج الثقافي:
لعل أعظم ما ابتدعته أوروبا الحديثة لم يكن البرلمان أو المصنع، كان تلك الآلة التي تدير العالم من خلف ستار أحمر كما تخيلته: البيروقراطية.
هذه الآلة لا تعرف الوجوه، ولا تعترف بالأسماء. إنها، من حيث المبدأ، كالميزان: سيدة العدالة معصوبة العينين. الجميع أمامها متساوون، لأن الجميع مجرد أرقام في سجل، أو حالات في ملف. هذه "العقلانية" هي التي تمنح الدولة استمراريتها وقوتها، حتى عندما تتغير الحكومات وكأنها فرق تمثيل على مسرح واحد. الضمانة ضد فوضى العاطفة واعتباطية الحاكم الفرد.
لكن لهذه العقلانية وجه آخر قاتم. إنها، في واقعها العملي، آلة للتبريد. تبرد العلاقات الإنسانية، وتحول المواطن من كائن حي إلى “قضية". وهي، كما رأى "كارل ماركس" ، أداة هيمنة طبقية متخفية بثوب الحياد. تخدم مصالح النخبة الحاكمة بينما تقدم نفسها كخدمة عامة محايدة. لو كان عالِم دين إسلامي من عصر ما قبل الحداثة يرى هذه الآلة، لارتاع من هذا التجريد اللاشخصي الذي يحل محل العلاقات الأبوية والمسؤولية الشخصية التي كانت سائدة في نظم الحكم التقليدية.
لكن الدولة لا تكتفي بإخضاع الأجساد عبر القوانين والبيروقراطية. إنها تريد أكثر من ذلك: تريد روحك.
. فالدولة الحديثة، كي تثبت وجودها، لا تحتاج فقط إلى احتكار العنف، بل تحتاج إلى احتكار المشروعية والهوية. وكيف تفعل ذلك؟
١. تدمير الولاءات السابقة: أول خطوة هي تفكيك كل ما كان موجوداً قبلها: القبيلة، العشيرة، الطائفة، المدينة المستقلة. لقد شنت الدولة الحديثة حرباً حقيرة وطويلة على هذه الكيانات، لأن ولاءك لها ينازع ولاءك لها. تاريخ تكوين الدولة الفرنسية أو الإنجليزية هو تاريخ طحن لهذه الوحدات ما قبل الوطنية في باطن آلة الدولة المركزية.
٢. اختراع الأمة: بعد التفكيك، يأتي البناء. تبدأ الدولة في نسج الوطنية كبديل عن كل الولاءات الضيقة. تصنع الشعب ككيان متخيل موحد، وتقدم نفسها على أنها التجسيد الوحيد لهذه الإرادة الجماعية. التعليم هو السلاح الأقوى في هذه المعركة. فمن خلال مناهج المدارس الموحدة، تُلغى اللهجات المحلية لصالح لغة قومية موحدة، وتُعاد كتابة التاريخ ليكون سردية واحدة تخدم تماسك الجسم الوطن.
٣. الهيمنة الناعمة: هنا تظهر براعة الدولة الحقيقية. إنها لا تفرض نفسها بالقوة فقط (وهو ما تبقيه دائماً في الخلفية)، بل تنتج رضاك عنها. من خلال الإعلام، النظام التعليمي، الاحتفالات الوطنية، المتاحف، تخلق الدولة شعوراً بأن وجودها هو الأمر الطبيعي و الأصل الوحيد.
أجزم انك كثيرا ماتسمع : المجتمع المدني مجال مستقل عن الدولة. لكن هذا فخ. فالدولة النموذجية لا تسمح بوجود أي سلطة مستقلة عنها. حتى هذا المجتمع المدني يعمل ضمن القواعد التي تضعها الدولة، وبالتالي فهو يعيد إنتاج هيمنتها بلغة أخرى. إن التفكير في الدولة من خلال مفاهيمها هي – أي التفكير في الدولة من خلال الدولة – هو بمثابة الوقوع في شباكها الأيديولوجي.
الخلاصة هي أن الدولة الحديثة كيان كلي لا يقبل التجزئة. إنها تشبه النسيج: إذا سحبت خيطاً واحداً – البيروقراطية، السيادة، احتكار العنف، الهيمنة الثقافية – قد يبدأ النسيج كله بالانحلال. البيروقراطية هي الهيكل العظمي، والسيادة هي الروح، واحتكار العنف هو العضلات، والهيمنة الثقافية هي الجهاز العصبي الذي يوجه ويوحد كل شيء.
ولذا، عندما نتحدث عن "دولة إسلامية"، فإن السؤال الجوهري ليس إذا كان يمكن أن يكون لها علم وجيش وحدود. السؤال الأعمق هو: هل يمكن لهذا الكيان أن يوجد دون أن يتبنى هذه الخصائص الشكلية الكلية؟ هل يمكن أن تكون هناك سيادة دون أن تصبح الدولة هي الإله الجديد؟ هل يمكن أن تكون هناك إدارة دون أن تتحول إلى آلة بيروققْرَاطية تجريدية تذيب الفرد في قوالبها؟ وهل يمكن أن تكون هناك هوية جماعية دون أن تقوم على هندسة الأرواح وتدمير الولاءات العضوية السابقة؟
وأخيرًا، يظلُّ الظلُّ الفكريُّ لكتاب الدولة المستحيلة لوائل حلاق مسيطرًا على مجمل الطرح الذي قدّمته، كان أهم مرجعٍ استشهدتُ به، و قد أرشد تحليلي واستنتاجاتي. ولذلك، لا يسعني في ختام هذا المقال إلا أن أوصي وبشدةٍ بقراءة هذا العمل، الذي أعتبره من المراجع الأساسية التي لا غنى عنها لكلِّ مهتمٍّ بمساءلة المفاهيم السياسية الحديثة في فضاء الفكر الإسلامي المعاصر.



صراحة عندي تعقيب على العنوان
حتى لو للشرح و لفهم موضوع المقال و لكن لا افضله صراحة لا اله الا الله جملة واحدة وصريحة و واضحة و شكرا
رائعٌ ماسطره قلمك