من يملك الحق في تحديد ما يُعتبر فلسفة؟
: من يملك الحق في تحديد ما يُعتبر فلسفة؟ السؤال يبدو بريئاً، شبيهاً بتساؤل طفل عن سبب تسمية الأشياء بأسمائها، لكنه في عمقه ينطوي على نزاع وجودي حول شرعية الفكر ذاته.
هذا ما يسميه تومي كاري التقارب المعرفي. اسمٌ حديث لظاهرة قديمة كالاستعمار نفسه. فكرة أن الفكر المهمش لا يُقرأ أبداً بشروطه الخاصة، بل يُختزل دائماً إلى أداةٍ لفهم الفكر المهيمن بشكلٍ أفضل. كأن نقول لروايةٍ أفريقية: أنتِ جميلة لأنك تُذكّريني بشكسبير. وكأن نقول لفلسفةٍ بوذية: أنتِ قيمة لأنك تسبقين هيغل في بعض النتائج. وهو مفهوم، كما يتبين، يمتد بجذوره إلى أعماق الفكر الأسود الراديكالي: إلى “الوعي المزدوج” لدى دو بويز، و”التكوين الاجتماعي” لدى فانون ( المفهوم الذي ألمس وقعه على جلدي وأنا أغوص في قراءة “بشرة سوداء، أقنعة بيضاء” حاليا)، ومفهوم “الرجعي” عند هيوي نيوتن، و”الوعي الأسود” عند ستيفن بيكو، وتكييف سيلفيا وينتر لمبدأ “التكوين الاجتماعي”. وهذه المصطلحات، في تنوعها، تشير جميعها إلى ظاهرة واحدة: كيف يُقرأ فكر المهمشين دائماً في ضوء فكر المسيطرين.
لو توقفنا عند كلّ مفكّرٍ من أولئك الذين ذكرتهم، لأمضينا مجلّدات في تحليلهم للعنصريّة. لكنّ جوهر ما يحاولون قوله يتجلّى في مقالٍ مبكرٍ لكاري بعنوان حول الاعتلال والمنهج (2011)، وهذا المقال هو مصدر ما سأطرحه هنا. يرى كاري أنّ صعود الليبرالية في الأكاديميا الحديثة قد أتاح لنا دراسة أعمال الفلسفة الأفريقية، شرط أن تركّز على قصور الفكر الأوروبي التقليدي. بمعنى أننا نرحب بالفلسفة الأفريقية فقط لأنها تساعدنا في كشف عيوب أرسطو وكانط وهيغل. الفلسفة الأفريقية تُقرأ وكأنها أداة نقدية في خدمة التقليد الأوروبي، وليس كمشروع فكري قائم بذاته. فتكون النتيجة أنّ عمليّة دمج المفكّرين السود في الأكاديميا البيضاءالغربيّة تنتهي إلى المصادقة على ما تعتبره الفلسفة الأوروبية شكلاً صحيحاً للوجود الإنساني، أو لأيّ مفهومٍ رئيسيٍّ آخر في الفلسفة.
كلما احتفلنا بإدماج المفكرين السود في الأكاديميا الغربية، كلما عززنا، دون قصد، هيمنة الفلسفة البيضاء. كيف؟ لأننا نقرأ الفلسفة الأفريقية بوصفها نقداً للفلسفة الأوروبية. أي أنها موجودة من أجل أن تصلح أخطاء أرسطو وكانط وهيغل، لا من أجل أن تكون هي ذاتها.
من جهة، نحاول تجنّب وتليين وجهات النظر العنصريّة لفلاسفتنا الغربيين الكبار. آراء أرسطو حول النساء والأطفال، والحاشية السيّئة السمعة لديفيد هيوم عن الأفارقة، وكانط وهيغل وهيدغر ودريدا أيضاً، كلّهم قالوا أموراً مريعة عن الفلسفات غير الغربيّة وشعوبها. لكنّنا نتجاوز هذه المقاطع باعتبارها ثانويّة بالنسبة إلى الأهميّة الأساسيّة لتفكيرهم الفلسفيّ الصارم، بغضّ النظر عن أنّ هذه النصوص ثبّطت تاريخياً الغربيّين والغربانيّين عن أخذ الفلسفات غير الغربيّة وشعوبها على محمل الجدّ. ولم يُشجّع أيّ من هؤلاء الفلاسفة غير الغربيّين على التفكير في فلسفتهم بشروطها الخاصّة عند قراءة الفلسفة الغربيّة.
ومن ناحية أخرى، هناك مفكرون أفارقة تحدّوا بجرأة المفهوم الغربي للإنسان وللفلسفة نفسها. لكن عندما ندخلهم إلى جامعاتنا ونناقشهم في أروقتنا الأكاديمية، نفعل ذلك بطريقة غريبة: نقرأهم لأنهم يساعدوننا في فهم أساتذتنا البيض بشكل أفضل. نستمر في ممارسة الفلسفة بنفس الطريقة القديمة، وكأن كل ما يفعله المفكر الأسود هو أن يشرح لنا نقاط ضعف الفكر الغربي، لا أن يقدم لنا عالماً فلسفياً مستقلاً بذاته.
السود من قبل عدد كبير من الباحثين البيض (أو ذوي الأقنعة البيضاء)، الذين لا يتخصّصون في التقليد الأسود الراديكالي، وينتهي بهم الأمر إلى دعم الوضع الراهن دون قصد. عمليّة المصادقة هذه على المفكّرين السود، التي تنزع إبرتهم، لا تعبّر عن مجمل تجربتهم الحيّة، بل تدمجهم كحداثةٍ في القانون الأوروبي للفلسفة. إنّها انتقائيّة للغاية. يصبحون حداثةً تعوّض بطريقةٍ ما وتبرّر إيماننا العميق بصحّة التقليد الفكري الأوروبي. وهذا التكامل الفكري يجعل من مبدأ كم يمكن للمحتوى أن يلهم المثقّفين البيض الشرط الأساسي لما يُسمح لنا بدراسته كفكر أسود في الأكاديميا. نريد قراءة أجزاء الفلسفة السوداء التي تساعدنا في نقد وتحسين تفسيراتنا للمفكّرين البيض، لكنّنا نحذف الأجزاء التي تدعو إلى إعادة هيكلة شاملة للتقليد الفلسفي الأوروبي.
هذا ما أسماه دو بوا التبييض، وما سماه فانون تحليب العباقرة السود. أي أننا نأخذ العبقري الأسود، ونُخضع له، ونُفقده حدته، حتى يصبح مقبولاً في صالوناتنا البيضاء.
وهذا يذكرني بقصة الفراعنة السود. عندما اكتشف الغرب أن الفراعنة كانوا سود البشرة، لم يستطيعوا تقبل أن يكون السود أصحاب حضارة عظيمة. فاخترعوا “العرق الحامي” ليشرحوا كيف يمكن لسود أن يكونوا عظماء: العظمة هنا ليست أصيلة، بل مستعارة من البيض. وكذلك الفلسفة السوداء: لا يُسمح لها بأن تكون مستقلة، يجب أن تكون دائماً مشتقة من الفلسفة الأوروبية، وكأن السود لا يستطيعون التفكير بأنفسهم.
الرؤية ذات صلة بالتأكيد بسياقات استعماريّة أخرى، بما في ذلك الفلسفات الآسيويّة. باكتشاف مفكّرين هنود وصلوا بشكلٍ مستقلّ إلى استنتاجات مشابهة جدّاً لاستنتاجاتهم. الغرب سعيد لأن الهند تؤكد صوابه، وليس لأن الهند تقدم شيئاً جديداً. ونادراً ما يصل هذا الفرح إلى حد الاعتراف بأن المفكرين الهنود قد يكون لديهم طريقة أفضل من الغرب في فهم عالمهم وفي ممارسة الفلسفة نفسها، لأن الفكر الغربي يعتبر نفسه المرجع الوحيد. بعبارة أخرى: الفكر الغربي يريد أن يبقى هو المركز، والآخرون مجرد فصول جانبية في كتابه. لكن الحقيقة أن كل تقليد فكري له تاريخه الخاص، وله منطقه الداخلي، ولا يمكن اختزاله إلى مجرد نسخة مشتقة من الغرب.
من الطبيعي جدّاً لمن هم في آسيا أن نفكّر في كيف تنتمي التقاليد الدينيّة المتعدّدة، وتصوّراتها المختلفة للتواريخ، دائماً إلى مكان وزمان معيّنين. في اليابان وحدها، علينا التفكير في تواريخ الشنتوية والكونفوشيوسية والبوذية إلى جانب التاريخ الجيوسياسي عندما ننظر في أيّ من القائمة الطويلة من الفلاسفة الذين ينتمون إلى التقليد الفكري الياباني. إذا ركّزنا على تقليد فكري واحد، وهو البوذية، لفهم الفكر الفلسفي ضمن البوذية، يجب علينا على الأقل دراسة مجموعة معقّدة من الفترات التاريخية التي تنتمي إلى الهند والصين وكوريا واليابان، والمدارس البوذيّة المختلفة التي ظهرت ضمن هذه المناطق المختلفة. والأهمّ من ذلك، أنّ هذا النموذج التعدّدي للفلسفة البوذيّة لا يمكن أن يمثل كلّ الفلسفة اليابانيّة أو الكوريّة أو الصينيّة. ولا يمكن أن يكون أفضل من التقاليد الأخرى كنظام فكري منفصل تماماً.
أشار فانون في بشرة سوداء، أقنعة بيضاء (1952)، بإنّ نظام العقوبات الداخلي، المبنيّ على العقدة النفسية-الوجوديّة، يضخّ انعدام الأمن في الذات المتعنصرة ومجتمعاتها، ممّا يجعل من المستحيل عليهم التحدّث عن ذواتهم وعالمهم بشروطهم الخاصّة. حتّى التحدّث عمّا يحدث في حياتهم كتجربتهم الخاصة يُنكر عليهم.
لماذا نصرّ على أن يتحدّث أخصائيو الفلسفات العالميّة عن النشأة التاريخيّة الفعليّة للمفاهيم التي تطوّرت بين المفكّرين الأفارقة أو الآسيويين فيما يتعلّق بشروطهم الاجتماعيّة والتاريخيّة واللغويّة والوجوديّة؟ الجواب هو أنّ فهم عوالم هؤلاء المفكّرين وأفكارهم بشروطهم الخاصّة هو جزء من معركة أوسع ضدّ العنصريّة الهيكليّة، التي تهدف باستمرار إلى تشويه المفكّرين الأصليين وتمجيد المقاربات الأنجلو-أوروبيّة. ما هو مطلوب لكشف نوع من الاستعباد الفكري في هذه الظاهرة الاستيعابيّة هو إجراء نسب فكري، يهدف إلى لا شيء سوى العمليّة المزدوجة المتمثّلة في فحص الميل الأكاديمي نحو التقارب المعرفي، وخلق فسحة للتقرير الذاتي للفلسفة الأفريقية أو الآسيوية بين التقاليد الفكرية.



كلام من ذهب
أروع منال فالكون و أفضل مقالات في الكوكب ❤️