التعليق الصوتي قراءة لطيفة من@نـوران، شاركتني قراءتها للرسالة، وسعيدة جدًا أنها وافقت أن أشاركها معكم .
عزيزي،
لطالما بدأت صفحاتي بكلمة عزيزي، ولطالما كنت عزيزي. دائمًا ما كنت عزيزي. أكتب لك أحيانًا وأنا أحرّك كوب الشاي حتى يبرد دون أن أنتبه، أو بينما أنتظر انتهاء تحميل أغنية بإنترنت سيئ، أو في تلك الدقائق الصغيرة قبل النوم حين أطفئ الغرفة وأبقي هاتفي مضاءً فوق الوسادة. أكتب لك من تفاهة يوم لا يحدث فيه شيء، ومن ملل له نكهة الخلود.
كتبت لك مرة عن قطة في الشارع. رأيتها تنظر إلى الخلف، فظننتها حنينًا. لكنها كانت تراقب ظلها على الأسمنت المبتل. القطة لا تؤمن بالانتظار، ولا بالعودة، ولا بالمعنى. كانت تعرف أن لا أحد قادم، ولا معنى خلف الغياب. ومع ذلك لم تكن حزينة. كانت تمضي، تأكل، تنام، ثم تختفي. أتمنى، ولو لمرة واحدة، ألّا يغمرني هذا الشعور العدمي تجاه كل ما حولي. سئمت أن أشعر بتفاهة الأشياء في منتصف اللحظة: تفاهة صوتي، تفاهة الانتظار، تفاهة أن أكتب عزيزي وأنت لا تقرأ. أتمنى لحظة عادية تخلو مني. لحظة لا أغتال فيها معنى الشيء قبل أن يولد. كأنني أرى روح كل شيء تخرج منه في لحظة الوصول، كأنني أقرأ الخاتمة في السطر الأول بفجاجة غبية.
لكني مع ذلك أخاف أن تلك اللحظة — لو أتت — لن تعرف كيف تحتويني.
اليوم أكتب لك عن ماجدة. سمعت أغنيتها بالصدفة بينما كنت أرتب أشياء صغيرة على الطاولة؛ كوبًا فارغًا، أوراقًا مبعثرة، وقلمًا لا يكتب إلا إذا ضغطت عليه بقوة. كانت الأغنية في الخلفية دون انتباه حقيقي مني، حتى قالت: أعود، أعود لطاولتي وليس معي إلا كلمات. توقفت فجأة، سرقتني الجملة من نفسي. هذه انا… دائماً أعود. إلى طاولتي، إلى عادة الكتابة، ماجدة تصف إدماني بأن أجلس وحيدة، أفرغ ما تبقى مني على ورق بارد. شعرت أنها لا تغني عن الحب بقدر ما تغني عن الوحدة. عن ذلك الإدمان الغريب على تحويل الشعور إلى كلمات، رغم معرفتنا أن الكلمات لا تغيّر شيئًا. نكتب، ثم نقرأ ما كتبناه، ثم نعود لنكتب الشيء نفسه بصياغة مختلفة، وكأننا ننتظر من الجملة الجديدة أن تنقذنا أكثر من السابقة.
ماجدة غنت ايضا : خُلقتُ طليقًا كطير النسيم. ضحكت. لأن ماجدة نفسها، التي تعود إلى طاولتها كل مرة، تقول إنها خُلقت طليقة. طير النسيم لا يملك طاولة، لا يملك عزيزًا، ولا يترك وراءه هذا الكم من الكلمات. يمر فقط، يغرد، ثم يختفي. أما نحن فنعود. نعود كل مرة إلى الأشياء التي تؤذينا، ونمنح هذا الرجوع أسماء ألطف: حرية، كتابة، حنين… أو ربما عزيزي.
ظللت أفكر في هذا التناقض حتى برد الشاي. شربته باردًا ، وأنا لا أشربه إلا دافئًا. البرودة بدت أكثر صدقًا من كل شيء آخر لا عودة دافئة، ولا ماجدة طليقة، ولا كلمات تصل. مجرد طاولة، وشاي بارد، وصوت ماجدة يكرر في رأسي: أعود… أعود.



لا أحد يعود ، نلتحف بعدهم الغياب ويتراكم فوق أكتافنا كالجبال ..!!
جميل👍🏼