كل شيء يبدأ بصمت. بصبر. بذلك الشعور الغامض الذي يخبرك أنك لم تصل بعد، أن الأهم لم يحدث بعد، أنك ما زلت في المقدمة، في الاستعداد، في انتظار إشارة البدء التي لن تأتي أبداً.
في الغرفة التي لم تتغير منذ سنوات، حيث علقت الساعة على الحائط كشاهد صامت على الوقت الذي يمر دون أن نمسكه، أجلس وأسأل نفسي: متى ستبدأ حياتي الحقيقية؟
أنا هنا، بين أربعة جدران تحفظ أنفاسي وكلماتي التي لم أجرؤ على قولها. غرفتي تعرفني أكثر مما أعرف نفسي، وهي تشهد كل يوم على تلك القهوة التي تبرد دون أن تُشرب، على الكتب التي أفتحها ولا أكملها، على الوعود التي أؤجلها .
من نافذتي الصغيرة، أراقب العالم يمضي. ضحكات من بعيد، محادثات لا أستطيع تمييز كلماتها، سيارات تذهب وتأتي... كلهم يعيشون، بينما أنا أنتظر. كأنني في محطة قطار تأخر عن موعده ساعات، ثم أياماً، ثم سنوات.
في درج مكتبي، تتراكم الخطط المؤجلة: "سأسافر الصيف القادم"، "سأبدأ مشروعي عندما أكون جاهزًا"، "سأكون سعيدًا عندما أجد الشخص المناسب". كم مرة قلنا لأنفسنا أن البداية الحقيقية ستكون في الغد؟ وكم من الغد مضى دون أن نعيش؟
الغريب أننا نعيش وكأن هناك حياة ثانية تنتظرنا في مكانٍ ما. نتعامل مع الحاضر كمجرد مسودة، نهمشه بينما نحلم بالحياة الحقيقية القادمة. لكن حين يهدأ كل شيء، في تلك اللحظات الليلية التي تسمع فيها دقات قلبك، تكتشف شيئًا مؤلمًا هو أنك كنت تؤجل الحياة... بينما هي كانت تحدث بالفعل.
أتذكر كيف كنت أتأمل صورة قديمة لي منذ عشر سنوات. نفس الملامح الحالمة، نفس الترقب. كم من اللحظات الجميلة فاتتني لأنني ظننت أن الأجمل لم يأتِ بعد؟ كم من الأيام اعتبرتها مجرد جسر لأعبره، دون أن أعيشها كما تستحق؟
الحقيقة التي لا نريد مواجهتها هي أن لا وقت مثالي سيأتي. لا حياة أخرى تنتظرنا، ولا إشارة سحرية ستنبهنا بأن الوقت قد حان. هذه اللحظة هي الحياة، بكل ما فيها بالفوضى، بالنقص، بالجمال الصامت.
لهذا، اليوم، قررت أن أغير القواعد. لن أنتظر أكثر. سأعتبر أن الحياة بدأت الآن هنا، في هذه الغرفة، مع هذا القلب المتعب، ومع هذه القهوة التي سأشربها بكامل وعيي.
سأكتب كما لو أن أحدًا سيقرأ. سأحب كما لو أن لا وقت للتردد. سأرى في هذه التفاصيل اليومية الصغيرة لرائحة الخبز من المخبز البعيد، ضحكة طفل في الشارع، نداء بائع متجول، علامات على أن الحياة كانت هنا دائمًا.
لأن المعجزة ليست في أن نجد حياة مثالية، بل في أن نرى الكمال في النقص. ليس في انتظار العاصفة لتنجلي، بل في أن نتعلم الرقص تحت المطر.
وربما، فقط ربما، إذا توقفنا عن البحث عن بدايةٍ مثالية، سنكتشف أننا كنا نعيش طوال الوقت... دون أن ندري.



" وربما، فقط ربما، إذا توقفنا عن البحث عن بدايةٍ مثالية، سنكتشف أننا كنا نعيش طوال الوقت... دون أن ندري. "
مبدعة 👏🏻جملة تختصر الكثير 🤍✨
الكمال في النقص. ليس في انتظار العاصفة لتنجلي، بل في أن نتعلم الرقص تحت المطر.